جديد
الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / الإسلام دين الدولة ولكن أي إسلام

الإسلام دين الدولة ولكن أي إسلام

الدولة ليست شخصا ولا أمة ولا شعبا بل هي شخصية اعتبارية أو معنوية، ومن هنا فلا صفة دينية لها.

حميد زناز

لفرض إيديولوجيتهم المعادية للديمقراطية والحياة الطبيعية للإنسان بوجه عام، يستغل الأصوليون عبارة ترد في الدساتير العربية مفادها أن الإسلام دين الدولة. وقد أصبحت هذه العبارة الفضفاضة قميص عثمان الذي يرفعونه في وجه كل من يحاول أن يوقف زحفهم نحو السلطة والعودة بالأوطان إلى عصور الظلام.

يكفرون بجزء ويؤمنون بالجزء الآخر، فهم مثلا لا يستسيغون المساواة بين المرأة والرجل، في حين أن الدستور الجزائري يضمنها صراحة. وعلاوة على القراءة الانتقائية التكتيكية التي يمارسها هؤلاء الأصوليون على النص الدستوري في ظروف معينة، فمن الناحية الاستراتيجية هم لا يؤمنون بالدساتير جملة وتفصيلا ويعتبرون بدعة غربية كل آلية من آليات الحكم الحديثة. لقد بتنا نعرف اليوم أن كل شيء مؤقت بالنسبة إليهم، وسيعصفون بكل الإنجازات الديمقراطية بمجرد اعتلائهم كرسي الحكم.

في الجزائر يقفون ضد مشروع إلغاء عقوبة الإعدام مستندين على المادة الثانية من الدستور الجزائري القائلة بأن “الإسلام دين الدولة”، كما حاولوا إهدار دم الروائي كمال داود ومنع فيلم الوهراني ومحاكمة مخرجه وتكفيره، وحتى منع الاحتفال بالمولد النبوي استنادا على نفس هذه المادة الدستورية.

ومع الأسف الشديد لم يعتبر التونسيون من تجربة الجزائر المرة وكرروا نفس المادة في دستورهم الجديد في فصله الأول تحديدا حيث نقرأ: “تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها”، مع ملاحظة هي عدم جواز تعديل هذا النص. أما المملكة المغربية فيقول الفصل الأول من دستورها إن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”.

لئن كان السبب الحقيقي في إدراج هذه العبارة من طرف معظم الأنظمة العربية اضطراريا منذ سنوات خلت، إذ أنها وجدت نفسها مرغمة على تقديم ضمانة لطمأنة القطاعات الأكثر محافظة في المجتمع إبعادا لشبهة العلمانية، فالوضع كان مختلفا بمناسبة إعادة كتابة الدستور التونسي سنة 2014، حيث ضيع التونسيون فرصة لجذب البساط من تحت الأصوليين حاضرا ومستقبلا، فقد كان بإمكان النخبة السياسية أن تجتهد في إيجاد صيغة أخرى أكثر دقة من أن للدولة التونسية دينا هو الإسلام.

وبغض النظر عن غموضها واحتمال تفسيرها تفسيرات مغرضة تتوخى فرض رؤية متطرفة لتعاليم الإسلام، فلا تصمد عبارة “الإسلام دين الدولة” أمام النظر الفلسفي والسياسي ولا حتى العملي، لسبب بسيط هو أن الدولة ليست شخصا ولا أمة ولا شعبا بل هي شخصية اعتبارية أو معنوية، ومن هنا فلا صفة دينية لها. وفي هذا الالتباس المفهومي يكمن الداء الأصولي، ومن هنا يحاول الظهور بالدفاع عن الشرعية والدستور وقيم الأمة وغيرها من الادعاءات.

سيقول قائل إن المقصود من العبارة هو تأكيد ودسترة دين المواطنين أو بالأحرى “السكان” لأن مفهوم المواطنة يتناقض مع مثل هذا الطرح، ولكن الدستور كأسمى وثيقة قانونية ليس من وظيفته التدخل في وجدان الناس وخاصة في مسائل العقيدة الدينية.

ونظرا إلى ما انجر عن هذه المادة من تبعات واستخدامها بطريقة انتهازية من قبل الأصوليين على اختلاف مشاربهم، ينبغي، على الأقل، فتح نقاش حول الإسلام المقصود في العبارة من أجل الوصول إلى تحديد دقيق لمضمونها وتدوين ذلك في نصوص رسمية كي لا تبقى قنبلة يمكن أن يفجرها المتطرفون في أي لحظة، ولكي لا نفسح المجال لكل من هب ودب ليعطيها المعنى الذي يريد. ينبغي البدء بعدم تديين السياسة حتى نقطع الطريق على الذين يريدون تسييس الدين.

كاتب جزائري

شاهد أيضاً

كيف يتفلسف اليابانيون: مدرسة كيوتو أنموذجا

حميد زناز غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند ذكر “كيوتو” تلك المعاهدة الشهيرة المرتبطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *