الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / هل العقلانية حكر على الغرب

هل العقلانية حكر على الغرب

دور النشر الغربية تصرّ على تجاهل الإبداعات الفلسفية المكتوبة باللغة العربية وإقصائها من برامج الترجمة بدعوى أن الفلسفة تبقى مستعصية على عقول العرب لأسباب دينية.

العرب حميد زناز [نُشر في 2015/06/26، العدد: 9960، ص(14)]

في حوار مطوّل جمعني بالفيلسوف الفرنسي ووزير التربية السابق لوك فيري، سألته أسئلة كثيرة ومتشعبة حول كتاباته وفلسفته وعن قضايا فكرية عامة أخرى، ولكن أردت أن أعرف ما إذا كان له اطلاع ولو بسيط على الفكر الفلسفي العربي المعاصر أو بالأحرى الاجتهادات الفلسفية المنشورة باللغة العربية اليوم.

هل لديك فكرة عن الفلسفة العربية اليوم وهل تعتقد أن هناك فلسفة غير غربية؟ هكذا سألت صاحب “ما هو الإنسان؟” و”ثورة الحب، من أجل روحانية علمانية” وفهمت مما جاء على لسانه أن الفلسفة بشكل عام هي خلاص علماني، فعلى عكس الديانات الكبرى، تعِدُ الفلسفة أولئك الذين يريدون تكريس حياتهم لها بأنهم سيتمكنون من إنقاذ أنفسهم بأنفسهم وعن طريق العقل في حين أن الأديان الكبرى تعِدُ الإنسان بإمكانية الوصول إلى الخلاص ولكن عن طريق الآخر، الله (وليس بنفسه) وعن طريق الإيمان (وليس العقل).

وهنا يكمن في رأيه الفرق الحقيقي الوحيد بين الفلسفة والدين. ويعني بمذهب الخلاص مجموعة الأجوبة المقترحة للردّ على الأسئلة الوجودية الكبرى المتعلقة أساسا بمعنى الحياة. ولئن اعترف الفيلسوف بوجود علماء لاهوت ومفكرين كبار في مجال الدين كالقديس توما الأكويني وباسكال لدى المسيحيين وابن سينا وابن رشد لدى المسلمين، فلا يمكن حسب رأيه عدّهم من أحفاد أفلاطون وأرسطو.

فكتاب “فصل المقال” لابن رشد، يقول، هو عمل رائع حقيقة، ومؤلفه شارح عظيم لأرسطو وكان له تأثير كبير جدا على العالم المسيحي وآدابه. ومع ذلك لا يعترف لوك فيري بأن ابن رشد كان فيلسوفا إذ مهما كان الفكر عميقا في نظره فإن ذلك لا يجعل منه فلسفة إذ لا يمكن التفلسف دون التحرّر نهائيا من قبضة الدين.

وممّا يثير التساؤل حقا هو ذلك الربط الميكانيكي الذي يرتكبه صديقنا الفيلسوف حينما يعتبر ولو ضمنيا أن العرب بمفكريهم وفلاسفتهم وفنانيهم لا يزالون جميعهم مرتبطين ارتباطا لا فكاك منه بالدين وتلك ليست نظرة لوك فيري وحده فحسب بل هي نظرة قطاع كبير جدا من مثقفي الغرب. فكأن العرب في عرف هؤلاء قوم يحملون الدين في صبغياتهم وجيناتهم. وكأنهم يعيشون حتى اليوم بذهنية عصر ابن رشد في حين أن فكر ابن رشد الذي يثني عليه السيد لوك فيري قد تجاوزه المشتغلون بالفلسفة في البلدان العربية منذ زمن طويل. فهل تتغير نظرة الأستاذ الفيلسوف والغربيين عموما لو اعتنينا بتراث جيل الرواد، أجداد العقلانية الكبار على طول التاريخ العربي- الإسلامي، الذين تمّ إقصاء أسمائهم وأعمالهم من برامج التعليم، التي قدّمت هدية إلى الإسلاميين في أغلب البلدان العربية فعاثوا فيها فسادا، وهل سينظر إلينا ككائنات تراثية لو أتممنا ما بدأ به جيل النهضة الذي انتفض عقلانيا، وكاد يحدث قطيعة معرفية فاصلة. وهل كان سيسطع نجم أبوبكر البغدادي لو تمّ توفير أبسط ظروف الإبداع للمفكرين الشباب الذين يجابهون بذكائهم التيارات اللاعقلانية العنيفة في كل البلدان العربية ويعلنون ولاء لامشروطا للعقل.

وحتى دور النشر الغربية تصرّ على تجاهل الإبداعات الفلسفية المكتوبة باللغة العربية وإقصائها من برامج الترجمة بدعوى أن الفلسفة تبقى مستعصية على عقول العرب لأسباب دينية. فمن المسؤول عن هذه النظرة الغربية السلبية تجاه الفكر العربي المعاصر؟ أهي المركزية الأوروبية كما يقول من يعلقون كل المشاكل على مشجب المؤامرة؟ أم تقع المسؤولية على عاتق من يبذرون أموالا طائلة على كرة الأقدام وبعض دريهمات فقط على تنمية ما في”الرؤوس”؟

 

شاهد أيضاً

كيف يتفلسف اليابانيون: مدرسة كيوتو أنموذجا

حميد زناز غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند ذكر “كيوتو” تلك المعاهدة الشهيرة المرتبطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *