الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / في نقد اللاهوت المقنع

في نقد اللاهوت المقنع

أليست ‘الحوزة العلمية’ إكليروسا شيعيا في العراق؟ ألا تعتبر نفسها مرجع كل العراقيين الشيعة؟ ألا يحكم آيات الله إيران؟.

العرب حميد زناز [نُشر في 2015/02/12، العدد: 9826، ص(9)]

في رفضهم ومكافحتهم للعلمانية، كثيرا ما يردد الأصوليون وبعض من يحملون حقائبهم من مفكرين وصحافيين ورجال سياسة مقولة أن “لا كهنوت في الإسلام” بمعنى لا سلطة دينية عليا في الإسلام. ومن هنا تصبح العلمانية كلمة دخيلة على المجتمعات العربية الإسلامية، إذ ليست فيها كنيسة حتى تُفصل عن الدولة أو تُفصل الدولة عنها. وهكذا يحلون المشكلة ببساطة متناهية. فكأن مصطلح العلمانية مرتبط بفصل ميكانيكي بين الكنيسة والدولة فقط. وبغض النظر عن تفاصيل ذلك الفصل المعقدة، هل صحيح ذلك الادعاء القائل بأن ليس هناك أي شكل من أشكال الكهنوت في العالم العربي الإسلامي؟

أليست المسألة مسألة تلاعب بالألفاظ؟ فلئن كانت كلمة “إكليروس” غير موجودة قاموسيا عند أهل السنة فمضمونها موجود على أرض الواقع. أما بالنسبة إلى الشيعة فحدث ولا حرج. ألا يشكل الملالي طبقة إكليروس متنفذّة مماثلة في المعنى وفي المبنى لما عرفته أوروبا في عصورها المظلمة؟ ألا يمثل الزيّ الشيعي للملالي والأزهري لمشايخ الأزهر تمييزا لهم عن بقية المسلمين؟ ألا يدل ذلك على أنهم طبقة كهنوتية محترفة؟

لا أحصّل سوى حاصل إذا ما أشرت إلى التدخل السافر لرجال الدين في حياة الناس الخاصة والعامة عبر حتى مؤسسات الدولة الإعلامية والقضائية. لقد كانوا دائما ولا يزالون كيانا رمزيا أو مستقلا واقعيا، وذلك بحسب الحقب التاريخية وحسب الأمصار. إنهم إكليروس فعلي شديد التأثير في حياة الأفراد بل هم سيف ديموقريطس المسلط على عقولهم. وليس من السهولة التمرد ومحاولة التحرر من قبضة هذا الإكليروس لأنه يملك سلاحا فتاكا جاهزا هو تهمة الزندقة. لا يمكن لأحد أن ينكر وجود سلطة دينية في العالم العربي الإسلامي، مستترة حينا وبادية للعيان في أكثر الأحيان. ثمة فقهاء وأئمة وأصحاب فتوى ومؤذنون وغيرهم كثير من الذين يتعيّشون من الدين. ألا يتصرف الفقهاء مثل الإكليروس؟

لقد تحول رجال الدين إلى طبقة مميّزة، لها تراتبيّتها وأموالها، يمكن اعتبارها إكليروس إسلامي مع فارق الزمان والمكان. كيف يمكن تفسير المكانة الرمزية والروحية التي يحتلها رجال جامع الأزهر في مصر ولدى أهل السنة أجمعين؟ إن لم يكونوا إكليروسا فكيف نفهم إذن ذلك الحق الذي يعطونه لأنفسهم وتقبله المجتمعات وحتى الدول ألا وهو حق النظر في شرعية كل مسائل الحياة، صغيرها وكبيرها، عظيمها وتافهها؟ ألا يتعلق مصير كل أثر فني أو أدبي مثلا في بلاد طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف شاهين بما تقوله لجنة رقابة أزهرية مهمتها النظر في ما إذا كان الكتاب أو الفيلم لا يخرج عمّا رسمه الإكليروس الأزهري؟

أليست “الحوزة العلمية” إكليروسا شيعيا في العراق؟ ألا تعتبر نفسها مرجع كل العراقيين الشيعة؟ ألا يحكم آيات الله إيران؟ تدل كلمة “آية الله” صراحة على معنى يحيل إلى تجسّد المقدس في الحاكم. “يشع حضوره نورا. يفقد الزمان والمكان ماديتهما في صحبته”، هكذا يضفي زعيم حزب الله حسن نصرالله هالة من القداسة على آية الله الخميني. ولا يختلف حكم “ولاية الفقيه” اليوم على حكم الكنيسة القروسطية إلا في تفاصيل صغيرة فرضها العصر.

كيف يمكن لبشر يطلق على نفسه لقب “روح الله العظمى” أن يعتبر نفسه مثل غيره من المواطنين؟ في العراق يسمي أحد أهم قادة الشيعة نفسه “بحر العلوم”، وفي إيران نعثر على لقب “ما شاء الله شمس الواعظين!”

يدل مفهوم “العصمة” نفسه، بما لا يدع مجالا للشك، على وجود الإكليروس في قلب المذهب الشيعي وليس هو بالأمر العارض، لأن المذهب ذاته مذهب سياسي في أساسه جاء ليرد على سؤال الحكم والخلافة.

لا أحد يستطيع نكران وجود طبقة رجال دين تعيق تطور المجتمعات العربية الإسلامية وإن اختلف تأثيرها من قُطر إلى آخر. ولا يتأتى لهذه المجتمعات الخروج مما هي فيه من ارتباك وصعود للتطرف الإسلاموي إلا بإعادة تنظيم العلاقة بين رجال الدين والمجتمع المدني وتحديد مهمات وفضاءات كل واحد منهما بدقة قبل فوات الأوان.

شاهد أيضاً

كيف يتفلسف اليابانيون: مدرسة كيوتو أنموذجا

حميد زناز غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند ذكر “كيوتو” تلك المعاهدة الشهيرة المرتبطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *