الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / الإسلامي الحزين.. المخلفات النفسية للخطاب الإخواني

الإسلامي الحزين.. المخلفات النفسية للخطاب الإخواني

تتبع الخطاب الإخواني وقياس أثره يشي بأنه لم يفعل فقط في الجوانب السياسية والحركية المعروفة، التي أثرت وطبعت سلوكيات مختلف التيارات الإسلامية، بل إن أثر هذا الخطاب كامن أيضا في الأبعاد النفسية والبسيكولوجية للفرد المنتظم في الجماعة. خطاب يصنع كآبة غامرة، ورفضا للعالم وللآخرين انطلاقا من الأدبيات المركزية في مدونة الإخوان، وهي ذاتها التي تتغذى منها التيارات الإرهابية.

العرب حميد زناز [نُشر في 2017/03/30، العدد: 10587، ص(13)]

لقد زرعت جماعة الإخوان المسلمين في وعي ولا وعي الكثير من العرب ومن يشاركونهم الدين الإسلامي قنابل موقوتة ستكون لها مخلفات خطيرة كمفعول المتفجرات، إذا لم يتم تدارك الأمر ويُشْرع في إبطال مفعولها بطريقة منهجية وجذرية صارمة.

بتأثير ذلك الخطاب الإخواني المعتل المفخّخ، أصبح ضحاياه – ويعدون اليوم بالملايين على امتداد العالم العربي – أقرب إلى الخلل الفكري منهم إلى أي شيء آخر، إذ أصبح التدين السياسي مرضا عقليا جليا. وبات الحوار معهم مستحيلا بل سرياليا، إذ كيف يمكن النقاش مع تابعين معبئين بأوهام مغلفة دينيا، أقنعتهم أنه في حالة التعارض مع الحياة الواقعية والمنطق فليست هي الخاطئة بل الحياة الواقعية والمنطق. لقد شبّوا على ما لقّنه لهم الإخوان منذ كانوا صغارا في الروضة وأصبح يصعب اليوم إقناعهم بغير تلك الأطروحات الواهية.

عمل أتباع حسن البنا كل ما في وسعهم وبكل الطرق العلنية منها والسرية على ترسيخ شعور قاتل بالذنب في كل نفس مؤمنة وجدوا فرصة التلاعب بها، وقد نجحوا في تكوين جيل غير راض عن نفسه وشقي لأنهم أقنعوه بأنه مسؤول عن فشل إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. وغرسوا في أعماقه كره الآخر الذي يتآمر على الإسلام والمسلمين بتواطؤ مع حكام المسلمين أنفسهم ليمنع الإسلام من قيادة العالم.

بتأثير الخطاب الإخواني المفخخ، أصبح ضحاياه أقرب إلى الخلل الفكري، وأصبح التدين السياسي مرضا عقليا جليا

المؤمن المتخرج من مدرسة سيد قطب وجد نفسه، من دون أن يدري في غالب الأحيان، مدفوعا بأفكار التيار التي غدت من كثرة التكرار بديهية وثقافة عامة، يقضي حياته ممتعضا حزينا في أغلب الأحيان، أو مناضلا أو مقاتلا أحيانا من أجل إقامة تلك الدولة المثالية كما تخيّلها زعماء الجماعة. ويعاني كل من تجرّع السم الإخواني بإحباط وشعور مزمن بالإثم، فكأنه هو سبب تعثر وتخلف أمة المسلمين وضياع الخلافة.

ومع الوقت أصبح المتأسلم الإخواني فخورا لا بما يفعل وإنما بما فعله أجداده. وبدل أن يكون ما سوف يكون، يريد أن يكون ما كان. ولأنه لا يستطيع تعريف نفسه بما يفعل، فهو يعرف نفسه بما يكون وتلك هي بسيكولوجية الإنسان المتأسلم بوجه عام.

نتج عن هذا الواقع النفسي المعطل موقفا حياتيا مزدوجا: هذا الكائن الذي عبث بقلبه وعقله الإخوان يقبل الحداثة التقنية أو التحديث من جهة، ويرفض فكر وميتافيزيقا تلك الحداثة من جهة أخرى. وبما أنه يعرف موضوعيا بعد التجارب المرة بأنه غير قادر على فرض الشريعة لا في بلده ولا في العالم كله كما حلم منذ نعومة أظافره في حلقات الإخوان، فإنه يبقى في صراع مزمن مع نفسه متجرعا المرارة.

وفي الحقيقة يتعدّى هذا الشعور بالإثم ضحايا الخطاب الإخواني إذ يقرض دواخل أغلبية المسلمين المتعلمين لأنهم يعانون “قلة وجود” جلية في عالم لم يؤسلم بعد، وهذا يجعل منهم كائنات تحمل وعيا شقيا. ويغدو الأمر مأساويا بالنسبة إلى المسلم حينما يكون مضطرا للعيش في مجتمع غربي علماني مفتوح، بينما هو غارق في بحر ثقافة إسلامية عتيقة منغلقة.

ومن هنا فمن الصعب أن نعثر اليوم في بلاد المسلمين أو حتى في أوروبا على إسلامي متفتح منشرح، لأنه ببساطة مسحوق تحت ثقل تنين جديد اسمه الفقه. فلا يصاحب هذا الشكل من الإيمان أدنى شكل من أشكال السلام النفسي، إذ أن حامله في حرب دائمة مع كل ما هو غير إسلامي لأنه خدع ووضع له هدف في الحياة لم يختره ولم يفكر في عواقبه الوخيمة، هو ذلك الحلم المجنون الذي يرى فيه دينه ينتصر على كل الأديان ويفرض قانونه على الإنسانية كلها.

أحلام مجنونة، إحباط ويأس وقنابل وخناجر وسيارات دهس. من أعماق تلك النفسية المخدوعة الملغمة خرج الإرهاب الإسلاموي بمختلف تنويعاته، ولذلك يجب أن نعمد إلى تسمية الأشياء بأسمائها: جماعة الإخوان المسلمين هي التي فرّخت الحركات الإرهابية كلها، من جماعة الجهاد المصرية مرورا بالحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر، ووصولا إلى جماعة

بوكو حرام في نيجيريا والقاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات العنفية عبر العالم. ألم يكن أسامة بن لادن وأبوبكر البغدادي من الإخوان؟

شاهد أيضاً

كيف يتفلسف اليابانيون: مدرسة كيوتو أنموذجا

حميد زناز غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند ذكر “كيوتو” تلك المعاهدة الشهيرة المرتبطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *