COUUA

يوسف اسحيردة: ما هي الفلسفة الإسلامية؟

يوسف اسحيردة

كُلنا، بشكل أو بآخر، نُعتبر ورثة للفلسفة العربية-الإسلامية. بدون الكندي، وابن سينا، وابن رشد، كان الفكر الشرقي والفكر الغربي سيأخذان مسارات أخرى، ربما غير متوقعة. هذه هي الأطروحة التي يُدافع عنها الفيلسوف المغربي علي بن مخلوف في كتابه ” لماذا نقرأ الفلاسفة العرب، التراث المنسي”، الصادر عن دار ألبان ميشال سنة 2015.

بدأ كل شيء عندما قرر الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة 833م تأسيس “بيت الحكمة” من أجل هدف واضح وصريح: ترجمة المتن الإغريقي. قرار بسيط تحول إلى قصة نجاح مُعبرة، حتى أن الحديث أصبح يدور حول اعتبار هذه الفترة بالذهبية، أو “بالمعجزة الإسلامية-العربية”، بنفس الطريقة التي تُوجد بها “مُعجزة إغريقية”. لكن ما السبب وراء النسيان الذي طال هذا الإرث، حيث يجري المرور من أفلاطون وأرسطو مباشرة إلى ديكارت واسبنوزا والبقية؟ وما هي أوجه هذه الفلسفة الإسلامية ومراحلها؟ وأين تتجلى بالضبط إسهامات هؤلاء الفلاسفة العرب في حياتنا المعاصرة؟

كل هذه الأسئلة وأخرى سنجيب عنها في هذا المقال الذي يحتفي بالزيارة التي يقوم بها الأستاذ علي بن مخلوف إلى مدينة أكادير، والمحاضرة التي سيلقيها هذا المساء في مركز Connect Institute. شخصيا أعتبر هذه الزيارة بمثابة ثاني أهم زيارة يقوم بها مفكر كبير للمدينة بعد زيارة أدونيس سنة2013، المدينة التي تفتقد جامعتها حتى الآن لشعبة الفلسفة، فمن أراد أن يتخصص في الفلسفة، فما عليه إلا أن يقصد مدينة مراكش أو “يقضي الغراض” بعلم الاجتماع مُرغما. قبل كل ذلك نستعرض مسار بن مخلوف في تواريخ ذات دلالة:

1959: الولادة بمدينة فاس المغربية
1978: مغادرة المغرب من أجل الدراسة في فرنسا
1991: مناقشة أطروحته حول فريجه تحت إشراف جاك بوفريس
2008: عضو وبعد ذلك نائب رئيس المجلس الاستشاري الوطني للأخلاقيات(فرنسا)
2016: عضو مراسل للأكاديمية الوطنية للصيدلة وعضو المعهد الجامعي الفرنسي
2020: صدور نسخة جيبية لكتابه “لماذا نقرأ الفلاسفة العرب” (ألبان ميشال)

إرث منسي ومحجوب

في البداية ينبغي التذكير بأن علي بن مخلوف يتحاشى الحديث عن فلسفة عربية، مُفضلا تعويضها بالفلسفة الناطقة بالعربية، باعتبار الأعراق المختلفة التي كانت تُشكلها. مؤكدا أيضا أن النسيان لا يشمل الفلسفة الإسلامية وحدها، بل الفلسفة الوسطية بكل أنواعها: سواء كانت مسيحية (طوما الأكويني) أو يهودية (موسى ابن ميمون صاحب “دلالة الحائرين”).

في أسباب النسيان الذي طال هذه الفلسفة الناطقة باللغة العربية، يُحصي ابن فاس عدة أسباب من أهمها:

أولا: فإذا كان بيك الميراندولي يشير إليهم في مقدمة كتابه ” الكرامة الانسانية”، فإن سبينوزا وديكارت، اللذان يستعيران من الفلاسفة العرب التمييز بين الجوهر والوجود، يتجاهلان الإشارة إليهم. أو لنقل أن الفلاسفة المسلمون تم استيعابهم لدرجة غابت معها الحاجة إلى الإشارة إليهم كمراجع.

ثانيا: المدارس المنتشرة في العالم الإسلامية كانت تدرس العلوم الدينية فقط وليس الفلسفة التي لم تكن تحت وصاية علم اللاهوت. على عكس ذلك، ظلت الفلسفة في العالم المسيحي خادمة للدين. وكما يُوضح ذلك المؤرخ والفيلسوف ليو ستراوس، فإن الفلسفة العربية أدت من وجودها ثمن حرية ممارستها.

وكأمثلة على التعتيم المتعمد تحت طائلة الاستعمار يُشير علي بن مخلوف إلى:

ولادة الفلسفة الإسلامية_وأوجهها

— قبل الفلسفة، كان علم الكلام—

يقول علي بن مخلوف في هذا الصدد : ” إن مصطلح الفلسفة الإسلامية يُحيل على تقليد فلسفي ناطق بالعربية، وُلد في السياق الديني للإسلام. ليس على الفور، فقد كان لزاما انتظار قرنين من الزمن حتى تزدهر هذه الفلسفة بالكامل. قبلها، كان هناك علم الكلام الذي مهد لها الطريق، فطبع بذلك، بحسب الفيلسوف والمختص في العصور الوسطى، جان جوليفيه، الولادة الأولى للفلسفة العربية.” (1)

كان علم الكلام يجد نفسه أمام مسائل لا تغيب طبيعتها الفلسفية، من قبيل علاقة وحدانية الله بتعدد صفاته؛ وفي الفقه، النقاش حول العلاقة بين مختلف مصادر القانون: النص القرآني والأحاديث النبوية من جهة، والاجتهاد وإجماع العلماء من جهة أخرى.

كل هذه الأسئلة ستتواجد من جديد خلال الولادة الثانية للفلسفة. وهي اللحظة التي طبعها تملك الإرث الاغريقي، أي فلسفة القُدماء. فقد عرفت الساحة الإسلامية دخول أفلاطون، وأرسطو، وجالينوس من خلال ترجمة متونهم ترجمة حيوية ومنفتحة على واقعهم. فلم يكن الفلاسفة العرب مُجرد ناقلين لفلسفة القدماء كما هو شائع.

نتج عن ذلك دخول العلوم المُدنسة (بمعنى غير المُقدسة) إلى السياق الإسلامي: الهندسة، الحساب، علم النبات، الفلك، الطب، الفيزياء، الميتافيزيقا، المنطق. لكن عوض المجاورة بين العلوم المُدنسة والعلوم المُقدسة (التفسير الديني والفقهي)، سَيُنْجِزُ الفلاسفة تركيبا هجينا، لا هو مُدنس محض، ولا هو مُقدس محض، يُمكن أن نختزل لحظاته الكبرى في لحظتين أساسيتين : لحظة ابن رشد (الاتصال)، لحظة الغزالي وابن خلدون (نزع السحر).

—الاتصال بين الشريعة والفلسفة—

ابن رشد (1126-1198)

في كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، سيلجأ ابن رشد إلى ضربة فنية من الطراز الرفيع حين سيعوض في العنوان كلمة “فلسفة” الصعب تقبلها في بيئة معادية لها، بكلمة “حكمة” المذكورة في القرآن: “وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة”.

في نظر قاضي قضاة قرطبة، لا يُمكن أن يوجد هناك تعارض بين الفلسفة والشريعة، لأن ” هذه الشريعة حق وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنّا، معشر المسلمين، نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”.
وبالتالي فلا وجود لعدة حقائق، كل حقيقة تناسب فئة من الناس، بل إن الصحيح هو أن الحقيقة واحدة تختلف طُرق بلوغها وهذا راجع لاختلاف فطرة الناس وليس بأن الحق في نفسه فيه اختلاف، فمن الناس من يصدِّق بالبرهان ومن الناس من يصدِّق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، ومن الناس من يصدق بالأقاويل الخطابية تصديق صاحب الدليل الجدلي بالجدل.

وهو نفس الطريق الذي اختاره الفارابي والكندي وابن سينا بدرجات متفاوتة.

—نزع السحر—

الغزالي (1058-1111)

يضع نفسه بعيدا عن الفلاسفة القدماء وخاصة أرسطو، وينفي وجد مبدأ السببية. في نظر الغزالي – هذا الباسكالي قبل الأوان –، لا وجود لسببية موضوعية، بما أن التجربة والملاحظة لا يسمحان سوى باستنتاج أن فعلا يوجد قبل فعل آخر وليس سببا فيه. للغزالي كتاب بعنوان “تهافت الفلاسفة”، شن فيه هجوما عنيفا على الفلاسفة، رد عليه ابن رشد بكتاب آخر بعنوان “تهافت التهافت”.

ابن خلدون (1332-1406)

في نظر ابن خلدون، علم الكلام لا يكفي لوحده، بل وجب مقاربة الحقائق التي يأتي بها من وجهة نظر السياسية، بُغية إعادة تشكيل المعرفة، وإعادة التشكيل لها تداعيات على السلطة. كان ابن خلدون على وعي تام بأولوية التاريخ على الميتافيزيقا (الكندي)، وعلى المنطق (الفارابي، ابن رشد). وبالتالي ينبغي أخذ أفعال الناس وأقولهم بعين الاعتبار لأن التاريخ يملك طابعا طوفانيا إذا جاز التعبير: فهو يتضمن انقلابات تصنع رجالا جددا.

يُمكن أن أغامر بالقول، أن الرغبة في الهيمنة السياسية هي التي تصنع المعرفة. أنظر مثلا لقب “خليفة ” الذي تم قَرْنُه مباشرة بمن يحمل راية الجهاد، بما أنه لا يُمكن الحديث عن خليفة خليفة رسول الله بعد وفاة أبو بكر الصديق.

وهكذا فإن ابن خلدون يمزج بين علم الدلالة والسياسة من أجل إقامة أسس تاريخانية للمعرفة والحقيقة. يظل منهج ابن خلدون مُحتفظا بواجهته حتى اليوم. سنة 1925، قام علي عبد الرازق بالإشارة إلى ابن خلدون في أكثر من موضع في كتابه “الاسلام وأصول الحكم”، من أجل التأكيد على ان التفسير الديني والتفسير الشرعي لا معنى لهما خارج علاقات القوة السياسية.

إسهامات الفلاسفةالعرب في الحياة_المعاصرة

بعد تبرير العلوم المُدنسة من خلال قراءة قرآنية تدعو إلى استخدام العقل (“يا أولي الألباب”)، استعان هؤلاء الفلاسفة بالفلسفة التطبيقية من أجل تدبير جيد للذات والآخرين. الحديث هنا عن نوع من “الانهمام بالذات” كما نجده عند فوكو، أي اكتساب أسلوب حياتي لائق. في هذا الصدد، اتجهوا أكثر صوب جالينوس عوض أرسطو. في حديثه عن العلاقة بين المرض والمريض والطبيب، يُضيف ابن سينا أقارب المريض الذين يبدو حضورهم بالنسبة لنا بديهيا اليوم.

(1) Ali benmakhlouf, Sciences Humaines, Hors-série Histoire n°4, La grande histoire de l’Islam
(2) Ali Benmakhlouf, Philosophie Magazine, n°144(entretien)

Exit mobile version