تجدون ضمن العدد الأخير لمجلة اليسار الجديد (New Left Review، عدد مارس/أبريل 2026) مقال نانسي فريزر “غزة حدثا عالميا” (GAZA AS WORLD EVENT)، حيث تستعرض الفيلسوفة التحولات العميقة التي أحدثها العدوان الإس-رائيلي على غزة في الوعي العالمي والنظام القيمي الغربي، وآفاق التضامن العالمي للتصدي للإبادة ومختلف أشكال القمع والانتهاكات ضد الإنسانية.
ويأتي هذا المقال في أعقاب تعرض فريزر لـ “للمنع” في جامعة كولونيا بألمانيا، حيث سُحبت منها درجة الأستاذية الزائرة عام 2024 بسبب توقيعها على بيان التضامن “الفلسفة من أجل فلسطين”. وقد سبق أن ألقت مضمون هذا المقال في محاضرة بمناسبة استضافتها بالحرم الجامعي “يوشيدا” التابع لجامعة كيوتو باليابان في 24 نونبر 2025.
تجادل فريزر في هذا المقال بأن “غزة” لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل أصبحت “علامة على أزمة في النظام الأخلاقي” الذي ساد الغرب طوال نصف القرن الماضي. هذا النظام كان يتمحور حول “الهولوكوست” (أوشفيتز) كرمز للشر المطلق، لكن اليوم يتم استدعاء “أوشفيتز” نفسه لتبرير إبادة جماعية جديدة. وتتوقع الكاتبة أن “غزة” ستحل محل “أوشفيتز” كرمز لأبشع الفظائع الإنسانية في عصرنا الحالي.
تنتقد فريزر بشدة الموقف الألماني الذي يربط “مصلحة الدولة” (Staatsräson) بالدعم غير المشروط لإس-رائيل بدعوى التكفير عن جرائم النازية. وتصف هذا السلوك ب “المكارثية الفيلوسامية” ( philosemitic McCarthyism حب السامية الزائف المقترن بالقمع السياسي)، حيث تُستخدم تهمة “معاداة السامية” لإسكات أي صوت ينتقد إس-رائيل، بما في ذلك أصوات اليهود التقدميين.
تتناول فريزر في هذا المقال كذلك، موجة الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية وكيف قوبلت بقمع وحشي تحت مسمى محاربة “معاداة السامية”. وتشير إلى أن إدارة ترامب استخدمت تهمة معاداة السامية كأداة لاستهداف الجامعات، المهاجرين، واليسار، مما أدى إلى تآكل استقلالية المجتمع المدني وتكريس تبعيته للدولة.
ترى فريزر أن أحداث غزة أدت إلى شرخ عميق داخل المجتمع اليهودي العالمي. فهناك صراع بين تيارين:
“اليهودية الصهيونية” التي تتبنى عقلية “اليهودي القوي” وتستخدم صورة ضحية الماضي لتبرير جرائم الحاضر، ومن جهة ثانية “اليهودية العالمية” (أو “اليهودي غير اليهودي”): الصوت الرافض للصهيونية والذي يتبنى شعار “ليس باسمنا”، معتبرة أن شعار “لن يتكرر أبداً” يجب أن ينطبق على الجميع دون استثناء.
تختتم فريزر مقالها بالإشارة إلى أن غزة، رغم الدمار الهائل، أصبحت تمثل “صوتاً مسموعاً للمستضعفين على الساحة الدولية”، وتتساءل ما إذا كان رمز “غزة” يمكن أن يحمل في طياته مبدأ الأمل في التضامن والعدالة الاجتماعية” والحق في تقرير المصير، ليشكل أساساً لنظام أخلاقي عالمي جديد يتجاوز المركزية الغربية.
اعداد سمير بوسلهام
– المقال متاح للتحميل المجاني، على موقع المجلة في الرابط أدناه:
