COUUA

ميشيل فوكو والثورة الايرانية

الروحانية السياسية وحدود النقد الفلسفي: ميشيل فوكو والثورة الإيرانية

كان موقف ميشيل فوكو من الثورة الإيرانية ومن شخصية آية الله الخميني موقفًا مركّبًا شديد الالتباس، اتسم بدرجة عالية من الإشكالية وأثار موجات متواصلة من الجدل النقدي، لم تخمد حتى بعد وفاته. ولا يمكن الإحاطة بهذا الموقف على نحو دقيق إلا بإرجاعه إلى سياقه التاريخي والفكري، أي إلى زياراته المتكررة لإيران في أواخر عام 1978، وإلى مقالاته الصحفية التي كتبها في تلك المرحلة، مع استحضار البنية الفلسفية التي حكمت نظرته إلى السلطة، والمقاومة، والحداثة، وأشكال الفعل السياسي.

فقد زار فوكو إيران مرتين، في شهري سبتمبر وأكتوبر من سنة 1978، بصفته مراسلًا صحفيًا لصحيفة كوريري ديلا سيرا الإيطالية، وذلك قبل انتصار الثورة بفترة وجيزة. وخلال تلك الزيارات، عبّر عن افتتان عميق بما أسماه «الروحانية السياسية»، أي ذلك الامتزاج غير المسبوق بين الحراك الجماهيري والبعد الديني-الأخلاقي، والذي رآه متجسّدًا في الحركة الشعبية المناهضة لنظام الشاه محمد رضا بهلوي.

وقد انبثقت رؤيته السلبية لنظام الشاه من نقده الجذري للأنظمة السلطوية الحديثة، ولا سيما تلك التي تقوم على آليات الانضباط والمراقبة والقهر المؤسسي. فقد اعتبر حكم الشاه نموذجًا صارخًا للسلطة القمعية، تتجلى مظاهرها القصوى في جهاز «السافاك» الأمني، الذي مثّل بالنسبة إليه أداة مركزية لإنتاج الخوف وضبط الأجساد والعقول. ومن هذا المنطلق، كان أي تحرك جماهيري يستهدف تفكيك هذه البنية السلطوية محلَّ اهتمامه وتعاطفه النظري.

وما يميز مقاربة فوكو للثورة الإيرانية أنه لم ينظر إليها من خلال القوالب الغربية التقليدية لفهم الثورات، سواء تلك المرتبطة بالماركسية، أو بالليبرالية السياسية، أو بنموذج الدولة القومية الحديثة. بل كان يبحث عن أشكال بديلة للفعل الثوري والمقاومة، تتجاوز التصنيفات الأيديولوجية المألوفة. وفي الثورة الإيرانية، رأى تجسيدًا لإرادة جماعية لا تنضوي تحت لواء حزب سياسي محدد، ولا تسعى فحسب إلى استبدال نظام بآخر من النوع نفسه، وإنما تطمح إلى إحداث قطيعة رمزية وأخلاقية مع منطق السلطة السائد برمّته. وهذا ما جعلها، في نظره، ظاهرة فريدة تستحق التأمل الفلسفي العميق.

وتبلغ هذه المقاربة ذروتها في موقفه من دور رجال الدين الشيعة، وعلى رأسهم آية الله الخميني. فقد اعتبر فوكو أن هؤلاء لم يؤدوا مجرد وظيفة قيادية سياسية بالمعنى التقني للكلمة، بل اضطلعوا بدور تعبوي رمزي، يقوم على استنهاض طاقة أخلاقية وروحية جماعية، تتجاوز حسابات المصالح المادية والصراعات الأيديولوجية العلمانية. ورأى في ذلك تعبيرًا عن «الإرادة المطلقة للشعب» في مواجهته للسلطة القمعية. ومن ثم، لم يكن الخميني، في نظر فوكو، مجرد رجل دين تقليدي كما يُتصور في المخيال الغربي، بل شخصية كاريزمية تمتلك قدرة استثنائية على تعبئة الجماهير وبعث الأمل في نفوسها وإضفاء معنى وجودي على الفعل السياسي.

وينبغي وضع هذا الموقف في إطار نقد فوكو الجذري للحداثة الغربية ولإرث التنوير الأوروبي. فقد رأى أن مشروع التنوير، على الرغم من ادعائه تحرير الإنسان، قد أفضى إلى إنتاج أشكال جديدة ومعقدة من السيطرة، أكثر دقة وعمقًا من أنماط القهر التقليدية. فالحداثة، في نظره، لم تُلغِ السلطة، بل أعادت تشكيلها في صور أكثر خفاءً، عبر المؤسسات الطبية، والسجون، والمدارس، وأجهزة الدولة البيروقراطية. ومن هذا المنظور، وجد في الثورة الإيرانية تعبيرًا عن رفض جذري للنموذج الحداثي الغربي الذي فُرض على إيران عبر نظام الشاه، وعن محاولة لتأسيس أفق سياسي وأخلاقي بديل.

كما لفت انتباهه الطابع غير المألوف لتنظيم الثورة، إذ لم تعتمد على أحزاب سياسية تقليدية أو هياكل بيروقراطية حديثة، وإنما ارتكزت إلى شبكات المساجد، وإلى المرجعيات الدينية، بوصفها فضاءات للتعبئة والتنسيق وصناعة المعنى الجماعي. وهذا ما ميّزها في نظره عن الثورات الأوروبية الكبرى، كالفرنسية والروسية، التي قامت على تنظيمات أيديولوجية مركزية.

غير أن هذا الإعجاب النظري لم يلبث أن اصطدم بواقع مغاير بعد انتصار الثورة في فبراير 1979، وتولي الخميني زمام السلطة. فقد بدأت ملامح الطابع القمعي للنظام الجديد بالظهور، من خلال الإعدامات الجماعية للمعارضين، والتضييق الواسع على الحريات الفردية، ولا سيما ما يتصل بحقوق النساء. وقد أثارت هذه التطورات موجة عارمة من الانتقادات الموجهة إلى فوكو، خاصة من قبل المثقفين والناشطات النسويات، الذين اتهموه بالسذاجة السياسية، أو بالتغاضي عن المخاطر الكامنة في أي مشروع سياسي ذي طابع ثيوقراطي.

وقد عبّر فوكو لاحقًا عن خيبة أمله بوضوح، في رسالة مفتوحة أعلن فيها رفضه القاطع للممارسات القمعية التي انتهجها النظام الإيراني الجديد. وأكد أنه يقف ضد العقوبات الوحشية، مثل بتر الأيدي، وضد كل أشكال التعذيب والانتقام الجسدي، مبيّنًا أن موقفه هذا لا يختلف جوهريًا عن موقفه السابق المناهض لجرائم جهاز «السافاك». فالرفض الأخلاقي للعنف المؤسسي، في نظره، مبدأ ثابت لا يتغير بتغير الأنظمة.

كما شدد فوكو على أن اهتمامه بالثورة الإيرانية لم يكن يومًا دعمًا غير مشروط لنظام سياسي بعينه، ولا تبريرًا لأفعاله، بل كان محاولة لفهم ظاهرة تاريخية فريدة في تعقيدها واستثنائيتها. غير أن هذا التبرير لم يمنع كثيرين من القول إنه أغفل منذ البداية مؤشرات واضحة كانت تنبئ بالتحولات القمعية اللاحقة.

ولهذا يُعد موقف فوكو من الثورة الإيرانية إحدى أكثر اللحظات إشكالية في مسيرته الفكرية. إذ يرى عدد كبير من النقاد أنه بالغ في الاحتفاء بالطاقة الثورية وبالروحانية السياسية، على حساب الانتباه إلى النتائج الأيديولوجية الخطيرة التي قد تترتب على قيام سلطة دينية مطلقة، خاصة في ما يتعلق بحقوق النساء والأقليات. وقد دفع هذا بعضهم إلى عقد مقارنة بين موقفه هذا وزلة مارتن هايدغر في تعامله مع النازية.

في المقابل، يدافع آخرون عنه بالقول إنه كان فيلسوفًا يسعى إلى فهم ما لم يكن مألوفًا في التجربة السياسية الحديثة، ولم يكن ناطقًا باسم «الجمهورية الإسلامية» ولا مروّجًا لها. كما أن كتاباته حول إيران كانت محدودة زمنيًا ومنهجيًا، ولا ترقى إلى مستوى بناء نظرية مكتملة حول الثورة أو الدولة الإيرانية الجديدة. إن موقف فوكو من الثورة الإيرانية لا يمكن اختزاله في تأييد سياسي ساذج أو في خطأ أخلاقي معزول، بل ينبغي فهمه بوصفه لحظة كاشفة عن حدود النقد الفلسفي حين يواجه وقائع سياسية معقدة، وعن التوتر الدائم بين الرغبة في تفكيك السلطة من حيث هي بنية، وبين ضرورة الانتباه إلى مآلاتها الملموسة في حياة البشر وحقوقهم وحرياتهم.

Exit mobile version