COUUA

ميشال أونفري: الحضارة المُقبلة ستكون ما بعد إنسانية

ترجمة يوسف اسحيردة

كما يَلِيقُ بِعَارِفٍ كبير بالتراث الفلسفي القديم، يُطلعنا ميشال أونفري في كتابه الجديد، “تَجَوُّلٌ في الأطلال، تاريخ فلسفي للغرب”، على فِكْرِ الفلاسفة الإغريق والرومان، المُهِم في تشكيل نظرتنا للعالم.

يَكْشِفُ أونفري، في هذا الحوار، عن أبز الأمراض التي تنخر جسد الغرب (كراهية الذات، إنكار الواقع الفعلي، انعدام الثقافة…)، مُقترحا سبيل الحكمة القديمة حلا من أجل تجاوزها.

○ تُبْدِي ملاحظة في بداية هذا الكتاب قائلا: «أرى الغرب يَزُول». ما الذي يُلْحِقُ به الأذى؟

● كراهِيته لِنَفْسِهِ أولا…في رواية “اللاأخلاقيون”، يتأمل فيكتور سيغالين في أسباب الانحطاط في حضارةٍ، في هذه الحالة حضارة جزر الماركيز. مع هذا الكتاب الذي يخص جزيرة صغيرة ضائعة في المحيد الهادي، الأمر أكثر سهولة واختصارا ومبَاشَرةَ من قراءة خزانات كاملة مكرسة لأسباب سقوط روما.

يخْلصُ فيكتور سيغالين إلى أن قدوم المبشرين المسيحيين البيض في قوارب، ليس هو المسؤول عن السقوط وإنما ما جعل قُدومهم مُمْكِنًا، أي نسيان شعب جزر الماركيز أنفسهم لهويتهم. وبالفعل، أمام شعبه، يسرد الزعيم العجوز للقرية أصول شعبه، ويُعاني من ثقب في الذاكرة وهو يتلو ابتِهالَهُ: لقد نسي ما كان يجعله ممكنا. لقد انتهى الأمر. يُمْكِنُ للمُبشِّرين أن يصلوا بسلام لاحقا، لقد أُنْجِزَت المهمة سلفا. الحضارات القديمة التي تستمر، الصين مثلا، هي أولا حضارات تُحِبُّ نفسها.

لعب السرياليون، بعد الحرب العالمية الأولى، دورا رئيسيا في هذا المشروع العدمي، الذي قادَتْهُ عقول مُهَشَّمَة ــ كما كانت ثمة وجوه مَهَشَّمَة ــ قد كَرِهَت فرنسا، والغرب، والعقل الكلاسيكي. لقد مَجَّدَ هؤلاء كل ما يمكن أن يُضيف إلى الدمار الحضاري الذي عاشوه في الدم والوحل وهم يخشون كل يوم الموت.

سنة 1924، أعلن “بيان السوريالية” لبرتون الحرب على العقل. من أجل فعل ذلك، مَجَّدَ الجريمة والمُجرمين، المجانين والجنون، المَرْضَى والمرض…نَقْرَأ في هذا النص: «إن الفعل السوريالي الأكثر بساطة يتمثل في النزول إلى الشارع، المسدس في اليد، وإطلاق النار بشكل عشوائي، قدر الإمكان، في الحشود .»

○ لقد أصبح التحذير أكثر فأكثر إلحاحا حول التراجع الديمغرافي. هل هذا الأخير نابع من هذه العدمية المعاصرة؟

● إن الانخفاض الديمغرافي يمثل مؤشرا على نهاية الحضارة، دون استثناء في تاريخ الإمبراطوريات المندثرة. هو ذا السبب الذي يجعل «اليسار» لا يُريد السماع بهذا التخصص العلمي، والذي يدعي مع ذلك أنه منحاز إلى العلم. هو ذا سبب شَتْمِه واحتقاره الكبير للمؤرخ بيير شوني، ولماذا أيضا جرى نسيانه بشكل غير عادل. لا نجد أيّا من كتبه في الصيغة الجيبية. ومع ذلك فإن كِتَابُهُ، “التاريخ والانحطاط”، يُمثل مؤَلَّفا رُؤْيَوِيّا منذ…1981.

يقِيسُ معدل الخصوبة حيويةَ حضارةٍ. فعندما لا نُريد أو لم نَعُد نُريد نَقْلَ الحياة، فإنّنا نُطْلِقُ العنان للموت. عندما تُنْجِبُ شعوب أخرى أطفالا، وبالتالي تُحب الحياة، فإنها تدحر الموت وتجعل حضارتها تتقدم. إذا دَخل هذا الشعب بشكل مكثف إلى أوروبا، فإن أوروبا ستصير ما سيَجْعَلُهُ منها هذا الشعب. كل هذا يظهر قابلا للقراءة من خلال منحنى. إن الديمغرافيا هي البرق الذي يُعلن سقوط الصاعقة التي تحرق بعد ذلك كل ما تلْمِسُه.

○ «لقد انحاز الغرب إلى أصدقاء الأفكار.» ما الذي تُريد قوله؟

● إنها إحالة إلى حوار “السفسطائي” لأفلاطون الذي يضع «أصدقاء الأفكار» في مواجهة «أبناء الأرض»، عَبَدَةُ المفهوم في مواجهة مُفَكِّرِي الواقع الفعلي. بصيغة أخرى: المِثاليون، الذين يعتبرون الأفكار والأيدولوجيات أهم من الواقع الذي لا يريدون السماع عنه، في مواجهة الماديين الذين يرون العالم كما يظهر لِعَقْلٍ عاقِلٍ ومُعْمِلٍ للعقل.

فعلى سبيل المثال، يعتقدُ أصدقاء الأفكار أن النوع بِنَاءٌ اجتماعي. في حين أن هذه الفكرة الثابتة تُرغمهم على إنكار الواقع والحقيقة العلمية للتستوستيرون والبروجستيرون، إن لم يكن، من الناحية التشريحية والطبيعية، إنكار وجود قضيب ومهبل. غير أن الواقع الفعلي يُثبت خطأ دعواهم. الدليل: بشكل ملموس، فإن كل تحَوُّلٍ للنوع، الذي يسمح بالمرور من المذكر إلى المؤنث، يستدعي القيام بحُقنات…من التستوستيرون وكذلك تقويم جراحي للمهبل. الأمر الذي يُبَيِّن أن قراءة الأعمال الكاملة لميشال فوكو غير كافية.

○ ما هو أكبر عيب مُعاصر في نظرك؟

● انعدام الثقافة، الذي ينبع منه كل شيء: غياب الذاكرة، غياب العِلم، غياب الذكاء، غياب المعارف، غياب الحس التاريخي، وبالتالي غياب إمكانية المقارنة والتفكير والفحص والتحليل والتَّفَكُّر، وبالتالي النقاش، والاستخلاص إذن.

إن انتهاء الدماغ على الطراز القديم، يُخلي المكان لِغَرْس الرقائق، لِصاحبِه إيلون ماسك. في مكان وموضع الدماغ القديم، الذي هو ثمرة آلاف السنين من التطور، الزخم الحيوي الشهير لبرغسون، سنحظى بعصيدة وِكِيبيدِيَّة منقولة من طرف شركات الغافام: نورالينك، وهي شركة في ملكية إيلون ماسك، تعمل بشكل صريح على هذا المشروع.

الحضارة المُقْبِلَة ستكون ما بعد إنسانية، وستتخذ كنموذج قناديل البحر العزيزة على قلب أب الكَرْيَلَة الإيجابية (la créolisation positive): وبالفعل فإن إدوارد غليسون يجعل من هذه الهلاميات السامة والمترامية الأطراف، الرّحالة والتي بدون وطن، نموذجا لمُتجمع مُكَرْيَل (هجين).

أن يدعو مُثقف وُوكي (wokiste)، تلقى حليب الرضاعة من مُثقفي أحياء باريس الراقية، سارتر ودولوز، إلى جعل قنديل البحر المُكعب، القاتل بالنسبة للإنسان، نموذجا حضاريا، فهذا ما ينِم عن الشيء الكثير! إن دماغ قنديل البحر هو المِثال التفكيكي. لم نَعُدْ بَعيدين عن ذلك كثيرا.

○ لماذا هذه الدراسة التنقيبية لتاريخ الفلسفة الغربية؟ ما الحاجة إليها؟

● في البداية، كان هذا درسا مُقرّرا من أجل جامعة شعبية كُنت أرغب في إعادة فتحها بعد أن قام إيديلات(1) سياسيون بإغلاق الجامعة الشعبية لِكَاين. لكن إيديلات آخرين لإقليم أورن، حيث كُنتُ أرغب في إعادة بناء هذا المشروع، جعلوا من خَلْقِهِ أمرا مستحيلا. الدرس موجود، لكن الجامعة الشعبية في عين المكان، لن تُقَام.

أما بخصوص الموضوع، تاريخ الغرب اليهودي-المسيحي، فهو نابعٌ من رغبة في الإجابة بطريقة حِجاجية على أولئك الذي يُقِرّون بخفة كبيرة بأن الحضارة اليهودية المسيحية غير موجودة. حتى أن «مؤرخة»، مُناضلة أكثر مما هي مؤرخة، تزعم أن استعمال كلمة «يهودي-مسيحي» يدخل في إطار الدّجل…

○ هذه الرغبة في النّقل حاضرة في مُؤلَّفِك وفي مجمل مسارك ومُنجزك. لماذا يكتسي النقل أهمية في أيامنا؟ كيف تُفسِّر العوائق لتي يضعُها بعض رجال السياسة من أجل إغلاق جَامِعاتِك؟

● لقد خرجتُ من وسطي الاجتماعي المحروم من الكتب، والثقافة، والمعارض، والمسارح، ودور الأوبّرا، والخرجات، والسينما، والمحادثات، بفضل الكتب. أحاول، منذ أصبح بمقدوري ذلك، أن أزرع حب الثقافة والكتب، الشغف بالأفكار والنقاش، على أمل أن تنمو بعض البذور هنا أو هناك.

لقد تم تدمير الجامعة الشعبية القديمة من طرف عُمْدَة ذلك الوقت. العمدة الجديد مصنوع من الخليط نفسه. الجامعة الشعبية الجديدة التي كُنت أرغب في إعادة إقامتها في مسقط رأسي، في إقليم أورن، الذي جرى تمييعه اليوم داخل مجموعة من البلديات، قد دُمِّرت في المهد من طرف العمدة الحالي، الذي جعل الأمر مستحيلا من وجهة نظر إدارية. بالطبع فإن هذان الإيديلان لم يقولا أبدا دوافعهما الحقيقية والعميقة، والتي ينبغي أن تدخل فيها الكثير من الأهواء الحزينة والدَّمامَة.

هذا الصنف الوضيع من المُنتخبين، لا يُحِبُّ الناس وإنما السلطة التي يملكها على الناس. العمدة الأخير الذي قام بكل شيء من أجل تدمير المشروع، يذهب كل أحد إلى الكنيسة. من المحتمل أن إلحاق الضرر هو طريقته الما بعد حداثية في مَحَبَّةِ قريبه.

○ هذا المجلد الأول مُكرَّس للفكر الإغريقي-الروماني. مع أيّ من المفكرين تمْلِكُ قرابات أكثر؟

● نشرتُ خمسة كُتب حول الفلسفة القديمة. لقد عبّرتُ عن شغفي للفلاسفة الكلبيين، قبل ثلاثين عاما، في كتاب يُدعى “كَلْبِيَات”. أعتقد أن مساري الفلسفي يندرج منذ هذا التاريخ (1991) ضمن المنطق الجذري لفلاسفة الكلب هؤلاء. مكتوب على شاهد قبر ديوجين الكلبي: «إنه يُعري أوهامنا»، وأعتقد أَنِّي قد اِلتزمتُ بهذا الخط بخصوص تفكيك عدد من المواضيع: المآزق المثالية والتوحيدية والسادية واليعقوبية والروبسبيرية والماركسية والفرويدية والسارترية والإسلامية-اليسارية اليوم، أي مآزق «مَهْوُسِي الأفكار»، حتى أقولها بكلمة واحدة مُستعارة من جوزيف برودون.

ضد كل هذه المآزق، وطوال أكثر من ثلاثة عقود، اقترحتُ بدائلا: مادية مُتعوية، إلحادا مُعمما، جيروندية إقليمية، ليبرتينية مُشِعَّة، اشتراكية ذاتية التسيير، تحليلا نفسيا وجوديا، فكرا تحرريا كامويا، دفاعا عن الحضارة اليهودية-المسيحية. لا أُنكر شيئا من كل هذا…

إذا كان الأمر يتعلق بفلسفة الأخلاق، فهو بالطبع لوكريتوس من أحتفظُ به، ذلك أنه يُطور في كتابه، “في طبيعة الأشياء”، أبيقورية يوميَّةَ المُمَارَسَة. فأنا لم أُكَرِّس له مصادفة كتابا يحمل عنوان “التحول”، وإنما من أجل مشاركة شغفي وجعل فِكْرِه في متناول الجميع.

○ تُسجِّلُ، منذ العصر القديم، تمظهر «فكر نسوي» مع النساء الفيثاغورسيات…أيّ تأثير كان للفلاسفة والمفكرين الإغريق على عالمنا الحالي؟

● البعض منهم قام بتغذية أباء الكنيسة، الذين شَكَّلُوا طيلة ألف عام العمود الفقري لحضارتنا: فقد مَنَحَ الزوج فيثاغورس-أفلاطون عددا من الأفكار: تفضيل عالم خلفي على هذا العالم هُنا، ثُنائية الجسد والروح، احتقار البدن وتمجيد الروح اللامادية، بقاء الروح في حَياةٍ بعد الموت، والتي يتم إنقاذها أو تعذيبها بِحَسَب نوعية الوجود المُعاش، التشنيع على الأهواء ومدح المثال الزهدي، استبعاد النساء، اللواتي هن مَصدرٌ للإغراء بطبيعتهن.

أما أرسطو فقد مَنَحَ مقولات ميتافيزيقية من قبيل الصورة، والمادة، والعَرَض، والصفة، والتي سمحت للسكولائية الوَسيطَة بالدفاع عن أفكار لامادية الروح، وسر التناول، والتحول الجوهري، وانبعاث البدن، والجسد المجيد. كما أعطى الرواقيون للألم والمعاناة قوة مُخَلِّصَة، جعلت محاكاة عذابات المسيح مُسوّغا. إن فروع حضارتنا المعاصرة نابعة من هذه الجذور.

○ هل تَجِدُ أن نقاش الأفكار، هو أكثر حرية اليوم ممّا كان عليه الأمر خلال العصور القديمة؟ أم إنه قد انكمش؟

● في العصور القديمة، ينبغي أن نُذَكُّرَ بذلك، أُدينَ سقراط بالموت من طرف محكمة أثينية بسبب أفكاره، سنة 399 قبل الميلاد. بعد ذلك، وبمجرد خروجها من السراديب والوصول إلى السلطة، لم تَكُن المسيحية رؤوفة جدا بالفلاسفة! فقد تم قتل الفيلسوفة الأفلاطونية المحدثة، هيباتيا، وتمزيقها في الشارع سنة 415 من طرف المسيحيين. كما اُغلِقت المدارس الفلسفية من طرف الإمبراطور الروماني جستنيان سنة 529. بويتيوس هو الآخر أُرسِل إلى السجن قبل أن يتم قطعُ رأسه سنة 524. وقد كتب بداخله رائعته، “عزاء الفلسفة”.

لقد جرى حرق العديد من الساحرات المزعومات أو المُهرطقين المزعومين، بسبب محاكم التفتيش التي قادها الدومينيكانيون. فقد تم حرق جيوردانو برونو سنة 1600. كما عُذِّبَ الفارس دولابار ثم قُطع رأسه سنة 1766، لامتناعه عن تحية موكب ديني. الثورة الفرنسية قطعت رأس العديد من المثقفين، الجيرونديين على سبيل المثال، لكن أيضا الشاعر شينيه، والكيميائي لافوازيية، وهي السبب في موت الفيلسوف كوندرسيه.

اما الأنظمة النازية والفاشية والماركسية-اللينينة والماوية، فقد مارست الاضطهاد، والتهجير، والاعتقال، والتعذيب، والقتل…بكثرة. لقد قُتِلَ تشارلي كيرك للتو من أجل أقواله. يتم تقديم القاتل كَـ «مُعادٍ للفاشية»، من المحتمل أن يكون مدفوعا إلى فعلته من طرف رفيقته في السكن العابرة للنوع، التي من المرجح أنها من تسبب في تطَرُّفِه. المُحاكَمَة ستُثبِتُ الوقائع.
ومن عجيب المفارقة، أَنِّي سأقول لك إن هذا العصر يبقى مُعتدلا! في نظام آخر، الإيديلات الذين يحرمون الجامعة الشعبية من الوجود غير مُبالين، من خلال اتخاذ قرارات صغيرة ــ إلغاء إعارة قاعة اتضح أنها مصيرية، عدم إمضاء رخصة بناء تَسَبَّبَ في منع المشروع ــ، كانوا سيقطعون رأسي عن طيب خاطر، لو أن العصر كان يسمح بذلك.

إن التهديدات بالقتل على الإنترنيت، والاعتداءات اللفظية في الشارع، والإبعاد من الخدمة العامة، واختفاء الدعوات إلى الشبكات الدولية لوزارة الشؤون الخارجية، واللقاءات الملغية، والسب والأخبار الزائفة في حقي، التي ينشرها بكثافة مدراء اتصال الأحزاب السياسية ــ واقع حياتي اليومي ــ، هي أمور قليلة الأهمية.

أنا لستُ سولجينيتسين، ينبغي التحلي بالعقل، غير أن مؤلِّف “أرخبيل غولاك” أمضى ثماني سنوات خلف الأسلاك الشائكة. نحن لسنا بعيدين عن فترة مُشابِهة، لكننا لسنا داخلها ــ بعد. عند موت المفكر الروسي، كَتَب أحدهم بتاريخ السابع من غشت 2008: «لقد كان سولجينيتسين عجوزا قديما رجعيا وغريبا ومتفاخرا، مِثليا ومتشَبِّعا بالتعصبات النوستالجية لروسيا العظيمة الفيودالية والمؤمنة. لقد كان ببغاءً مُفيدا للدعاية الغربية.» هذا الشخص هو جان لوك ميلونشون.

○ «إن الجمهورية الزينونية تعمل مثل رَحِمٍ للثورات الحضارية.» لماذا؟

● سيلزمني مكان أكبر من أجل قول ما هي هذه الجمهورية غير المعروفة بما يكفي. وبالفعل يُوجد كتابان لم يبق منهما سوى مقاطع، “جمهورية” زينون الرواقي، و”جمهورية” ديوجين الكلبي، اللذان يذهبان بعيدا في الجذرية المُناهِضة للحضارة، بما أن هذه النصوص تُلغي كل ثقافة وتُمجِّدُ الطبيعة، التي من شأنها أن تمنح النموذج المُطلق.

الأمر الذي يعني بشكل ملموس: تدمير العمل، والأعراف، وآداب السلوك، واللباقة، والوطن، والالهة، والدين، والأخلاق، والشر والخير، والقانون، والعائلة، والمِلْكِية، الخ. مِن هنا مديح الكانيبالية، والسِّفاح، والأنثروبولوجيا، والشيوعية، والامتلاك العام للنساء والأطفال، الخ. إنه، بحسب الاختيار، لكن الواحد لا يُلغي الآخر، الكتاب المُفضل لكل ثائر، وبالتالي للعدمية المُعَمَّمَة.

لقد كان لدى ديوجين الرغبة في التصدي بشكل مباشر لعدوه المفضل، أفلاطون، ونجهل النصيب الجدلي لهذا العمل، لكن، خارج سياقهما، قام هذان النصان بتغذية الفكر الثوري والشيوعي طيلة أكثر من ألفي سنة. باستثناء السِّفاح والكانيبالية، حيث يُمكن اعتبارهما من أمارات الإسراف، فإن البرنامج السوفياتي الماركسي-اللينيني ليس بذلك البُعد. إن لم يكن برنامج حزب فرنسا الأبية وأصدقاؤه.

○ إنَّكَ تتجول هنا في الأطلال الإغريقية-الرومانية. ألم تَعُد هذه الأخيرة سوى أطلال أدبية جميلة مُثيرة للإعجاب أم ما زال بإمكانها مَنْحُ زخم جديد لحضارتنا؟

● علماء الآثار بإمكانهم تأكيد الأمر لَك، إن الأطلال مُحبِطَة لأنها تمنعُ الاستيعاب الإجمالي والشامل للمُنْجَز. إن بِضْعَةَ أعمدة في ساحة من الأطلال، تَشْهَدُ بشكل سيئ على روعة عِمارة معبد، في تصميم حضري تحوَّل إلى مجرد مجموعة من الحُصِيّ التي بعضها منقوش.

تَصوّرْ أن المُنجز الكامل لأبيقور، قبل تدميره من طرف الرهبان المسيحيين النُّسَّاخ، كان يحتوي على أزيد من ثلاث مئة كتاب، وأنه لم يتبقَّ سوى ثلاث رسائل مكتوبة لمُراسَلين ــ واحدة حول الفيزياء، وواحدة أخرى حول علم نشأة الكون، ووحدها الأخيرة تُهُم الأخلاق، ولا واحد تتحدث عن السياسة ــ وحفنة من النصوص بدون سياق. إن بِحوالي الخمسين صفحة هذه، حيث جرى قيادة ثورة ضد المسيحية القَيْصَرُوبَابَوِيَّة طيلة ألف عام.

اليوم، تسمحُ تكنولوجيات معاصرة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، بِفك شفرة لفافات من ورق البردي، أُحْرِقَت على إثر ثوران بركان فيزوف. إن خزانة أبيقورية كانت موجودة بفيلةٍ غنية بمدينة هركولانيوم، يمتلكُها شخص أبيقوري هو بيسون، سترى النور. ربما هكذا تتمكن كتابات غير منشورة لأبيقور من إحداث ثورة في القراءات التي نَمْلِكُها عنه منذ أكثر من ألف سنة.
ربما تقترح هذه الاكتشافات أيضا، حكمة فلسفية مُحْكَمَة من أجل العيش… على سفح بركان، وهي الاستعارة التي تُميز عصرنا بشكل جيد. أحلمُ بكتاب حقيقي لِإبيقور وقد اكتُشِفَ بهذا الشكل، مُكَرَّسٍ بالكامل لتمجيد فضائل الصداقة. هُو ذا ما قد يمنح الإتيقا والأخلاق والسياسة حلة جديدة.

(1). جمع إيديل، وهو منصب في روما القديمة كان يتولَّى صاحبه صيانة مباني المدينة وتنظيم المهرجانات الشعبية العامة. استخدامه هنا جاء من باب التقليل من الأهمية والقيمة. وبالتالي فهو قدحي. (المترجم)

مصدر الحوار: Valeurs Actuelles, 17 Décembre 2025.

نُشرت هذه الترجمة بالملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي

Exit mobile version