COUUA

موليم العروسي.. يقظة الفكر في الفن

نص الحوار الذي اجرته معي هيئة مجلة ديونيزوس

موليم العروسي.. يقظة الفكر في الفن

أصدقاء ديونيزوس: اسمح لنا بدءاً أن نطرح عليك سؤالاً سيُعتقدُ أنَّه كان علينا أن نُرجِئَهُ إلى نهاية هذه المُحادثة-المُحاورة: ما الذي تَبقَّى مِن آثارِ تفكيرك في العمل الفنّيّ (عبر مروره من ثلاثةِ أجْرامٍ فكرية: هايدگر، فرويد، وديريدا) فِي ما تُفكّرُ فيه وتكتُبُه الآن؟
موليم العروسي: بالفعل، أنت تعرف أننا كنا نظن أننا نتجاوز هيغل فقط بالانتساب إلى فلسفة لاحقة عليه. كان يكفي أن تنتسب إلى الماركسية أو فلسفة الوجود لتعتقد أنك تجاوزت هيغل. لا أدري لماذا كنت قدمت مشروع شهادة الدروس المعمقة التي حَضَّرتُها بجامعة السوربون تحت إشراف أستاذي (Olivier-Revault D’Allonnes) باسم ”مفهوم الجميل عند كانط، هيغل، وهايدغر”. وكان هذا البحث مقدمة لبحث أطول، نلتُ به الدكتوراه تحت عنوان: “علم الجمال بين النظر الغربي والرؤية العربية الإسلامية”. في البحث حاولت أن أتوقف عند النظريات التي أنتجها فلاسفة ومفكرون غربيون، لكنني حاولت قدر المستطاع الابتعاد عن الخوض في مساءلة الأعمال الفنية. وأنت تعرف أكثر من غيرك ممن يكتبون عن الفن في المغرب أن حقيقة النظرية، مهما علا شأنها، تبقى معلقة إلى حين مواجهتها بحقيقة العمل والأمر يتعلق هنا بالعمل الفني.
خلال البحث الأول وبعده في الدكتوراه، لاحظت أن الفلاسفة يبقون في تأخر واضح كلما تعلق الأمر بالجديد في الميدان الفني. لماذا يتحدث هايدغر سنة 1936عن فان غوخ ثم يكتب إضافة لهذا النص سنة 1960 ولم يغير فيه شيئا بالنسبة للفن؟ بينما كانت الساحة الفنية قد عرفت خلخلة كبيرة أعادت النظر في مفاهيم الفن، يتعلق الأمر بالتجريدية والتكعيبية والسريالية وخصوصا الدادائية؟ ما الذي يجعل فرويد يهتم بمن سبقه فقط من الفنانين والكتاب (ليوناردو دا فنشي، صاد، مازوخ…)؟ لو توقفنا عند هايدغر وبحثه حول العمل الفني لفان غوخ، لرأينا أولا أن الأمر لا يتعلق بتحليل وإنما باستشهاد. فالفيلسوف الألماني يصرح خلال النص وهو يتحدث عن الإنتاج والإبداع: ماذا لو أننا وضعنا أمامنا، وبشكل مباشر، منتوجا وليكن زوج أحذية وماذا لو أننا تأملنا الأحذية التي رسمها فان غوخ؟ ثانيا عند الحديث عن زوج الأحذية لا يقول هايدغر إلا كلاما كان يمكن أن يقوله حتى ولو كان وضع أمامه زوج أحذية حقيقي. أي ما كان يهمه ليس الفن وإنما الحديث عن الشيء بصفة عامة. لذا سوف تجده يتوقف طويلا عند مفهوم الشيء، وينسى العمل الفني نهائيا خلال ما تبقى من الصفحات. يبدو لي أن هايدغر استعمل لوحة فان غوخ كوسيلة من وسائل الإيضاح فقط.
وسوف يناقشه في هذا الأمر كل من المؤرخ الفني مائير شابيرو، والفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا. وعلى نفس المنوال سوف ينصب النقاش، عند الرجلين، حول مفهوم الحقيقة وليس حول العمل الفني. يمكن أن أعطي أمثلة أخرى بداية من كانط إلى عدد كبير من الفلاسفة الذين تناولوا مسألة الجمال. كنت تفطنت لهذا الأمر خلال عملي على الأطروحة، لكنني أجلته وقلت في خاتمة البحث ”سوف يتحول الاهتمام من النصوص النظرية إلى الأعمال”.
ولقد عايشت أنت الصديق بوجمعة بعضا من هذا التحول، عندما كان طُلِبَ مني أن أتدخل في مائدة مستديرة حول الأستطيقا، وكنت عبرت فيها عن هذا التحول، وتفضلت بقبول إلقاء مداخلتي، نظرا لتعذر حضوري. وبما أنني كنت أعرف قربك من هذ المشكل المعقد، فوضتُ لك أمر الإجابة عن تساؤلات الحضور، فتحمّلتَ ما تحملتَ من نقد كان يصل أحيانا حد التجريح… إلى درجة أن أحد المنظمين اتصل بي وسألني إن كان ما قيل في المحاضرة هو ما أفكر فيه فعلا أم أنه كان من نسج خيال بوجمعة أشفري. فهمنا في ذلك الوقت كيف أن المعرفة تتحول إلى عقيدة، وأن أتباع العقيدة يصبحون خطرا على التفكير. وظهر جليا ما كنت قد أصبحت أفكر فيه من خلال الكتاب الشذري الذي كنت أسميته ”قناديل الليالي العشر”، لكن لا أحد انتبه فعلا لذاك التحول؟
التحول هو الاهتمام بالأعمال الفنية المعاصرة وبالأعمال الفنية التي تعاصرنا وتعيش معنا.
وما أفكر فيه اليوم هو هذه الدوخة الفنية التي تجتاح العالم، والتي تجعل حتى من تجار الفن مفكرين جددا وواضعي استطيقا جديدة.

أ.د: لنبدأ إذاً في تسليط شعاع ضوء على هذه الدوخة الفنية التي تجتاح العالم، والتي نتج عنها في مراكزها وهوامشها كثير من الفطائر الضارة أو ما أسميتهم بـ “تجار الفن”… من في نظرك يستطيع أن يزيح هذه الأوهام التي تتكالب على الأعمال الفنية (الحديثة منها والمعاصرة)؟
موليم العروسي: أنت ترى أن مهرجانات وأسواق الفن عبر العالم أصبحت تحتفي بما يسمى الفن المعاصر. وأصبحت فيه الأثمنة تبلغ أرقاما قياسية وبالنسبة لفنانين لازالوا على قيد الحياة. وأعمالا زائلة أي أن المقتني لا يشتري إلا الحدث في حد ذاته. تذكر أحد أعمال الفنان المستتر بانكسي (Banksi) الذي تحطم من تلقاء نفسه بمجرد أن أعلن عن بيعه بالمزاد العلني. أي أن المقتني يحصل فقط على شهادة تقول إنه هو وليس غيره الذي يحوز حق ملكية هذا العمل الذي لا وجود له.
وتلك الموزة المشهورة التي التهمها فنان آخر أثناء عرضها بمعرض بالولايات المتحدة. عندما سئلت صاحبة الرواق عما قامت به بعد أن أكل الشخص/ الفنان الموزة الملصقة على الجدار أجابت بكل أريحية وهي تضحك وأسارير وجهها منبسطة: ”رافقنا المعتدي إلى خارج القاعة واستبدلنا الموزة المُلْتَهَمَةَ بموزة جديدة”. مما يعني أن المسرحية كانت محكمة الإخراج وأن المقتني سوف يربح حدثا سوف يذكره التاريخ على شكل: ”كان ياما كان في قديم الزمان…”. وعلى الرغم من كل هذا فإن صاحب الموزة أو العمل الذي تحطم من تلقاء ذاته بمجرد الإعلان عن بيعه، قد قاما بنقد جذري للسوق الذي لم نعد نعرف له قانونا منذ مدة. هناك أثمان اعتباطية وهناك فنانين يصعدون بشكل مفاجئ، ويباعون بأثمنة خيالية، ثم يخرجون نهائيا من الساحة الفنية. هذه السوق وهذه الأثمان هي محط انتقاد من طرف عدد كبير من الفنانين لكن السوق تستوعب حتى النقد الموجه إليها وتحتويه باقتنائه.
كل هذا يدخل في سياق العصر بما فيه دخول وسائل التواصل الحديثة في جميع مفاصل الحياة، فهناك شبه كبير بين ما ينتج في هذه الفضاءات وبين ما ينتج في الفن. هناك نجوم تصعد ثم تنطفئ وتختفي بسرعة، ولكي تحصل على عدد كبير من اللايكات لابد أن تعتمد محتويات تهم أوسع فئة من المتلقين، وعندما توسع الدائرة فإن المحتوى ينزل إلى أدنى مستوى.
ما العمل إذن؟ يجب أن نصمد، سوف تضيق دائرة التفاهة، وسوف نعود ربما في زمن ما إلى الفكر العميق. لنصمد إذن، الكتابة والإبداع مقاومة وصمود.

أ.د: ألا تعتقد أنّ العمل الفني يقاوِم تآويلهُ (نقداً وتفكيراً) في “الوجود” (وجوده) وفي “العدم” (عدمه)، تماما مثل الماء الذي يجد طريقه إمَّا مُختَرِقاً أو مُنحرِفاً؟
موليم العروسي: نحن نتحدث عن فن في المطلق يمكن ألا يكون موجودا البتة. يمكن أن يكون متوهما. نحن نعتقد أن المبدع (وكلامي هنا يسجل نفسه في التقليد الرومانسي) أن الفنان والمبدع بصفة عامة يغوص في دواخله، في مجاهيل دواخله، ويحاول تهجي وجوده قبل الكلام والكتابة أي أنه يغرف من تلك الهيروغليفية المتراكمة على شكل حروف لا أدري هل هي حروف منطوقة أم مرسومة، ولكنها عناصر متداخلة (لو كانت أصواتاً) لشبهتها بتمتمات، (ولو كانت رسوماً) لشبّهتها بكتل لا نعرف شكلها. بهذه العناصر يحاول أن يركب جملا تصويرية أو شعرية أو موسيقية، قبل أن يترجمها في لغة قريبة من لغة العموم تكاد تكون مفهومة من طرف الناس.
بالطبع عندما يكون الأمر على هذه الشاكلة فإننا نكاد نجزم أن لا أحد بمقدوره تأويل العمل الفني تأويلا دقيقا، سيما إذا اتفقتا على أن التأويل يعني فيما يعنيه ”أعاد للأول” أي رد الشي إلى أصله أو إلى مصدره أو هنا إلى المكان التي أتى منه. مَن، في نظرك باستطاعته القيام بهذا؟ فقط ذاك الذي باستطاعته أن يعاني نفس المسار، أي الغوص إلى حدود الغطس في العين الخطرة، عينُ النرجسية.

أ.د: أليس هذا الغوص في هذه العين الخطرة (عين النرجسية)، هو غوص في العين الحمئة التي ينصهر داخلها العمل الفني، ومن ثمة يصير الفاعل الفنان شاعرا في حالة جذب يصعب معها رد “الفعل/ العمل” لِمَا سَبقَ ومَا سيأتي؟
موليم العروسي: عندما يغوص المبدع في غياهب العمق، يتخلص من كل العادات والمعتقدات واللغات ويذهب عميقا لملاقاة أناهُ البَدْئية، وحيث يقبلها فكأنه يرى وجهه في مرآة حقيقته، هناك من يصاب بالجنون. والذين يعودون، يعودون مختلفين، صامتين، لا يعرفون لغة العموم. إنهم يرقصون على موسيقى كونية لا يسمعها الكل، إنهم يرقصون على الجمر. يعودون محمّلين بعناصر العمل الفني وليس بالعمل نفسه. يعودون وهم في حالة ما بين النوم واليقظة يؤلفون على إيقاع هذا الرقص على الجمر، لذا تراهم لا يتحكمون فيما يقولون أو ينجزون، وهذه هي حالة الجذب التي تتحدث عنها ربما.

أ.د: ما الذي يجعل فيلسوفاً (مثلاً جيل دولوز) يُفكِّرُ (وَيُبدِع مَفاهِيمَ) انطلاقاً مِن أعمالٍ فنِّية لفرنسيس بيكون؛ ما الّذي يجعلهُ يميلُ لهذا الفنان دون فنانٍ آخر؛ وقِسْ هذا الأمر كذلك على كتابات فلاسفة آخرين، مِن ضِمنهم ما يصدر عنكَ من تفكيرٍ وكتاباتٍ حول تجارب لفنّانين مُعيَّنين واستثناء آخرين؟
موليم العروسي: هذا أمر معقد جدّا، والجواب عنه يعتمد في جزء منه على ما أجبتك به عن سؤال سابق. تصوَّر أن الفيلسوف، وليكن هنا جيل دولوز، الذي يقول إنه ينحت المفاهيم، ويعوِّل على تلك المفاهيم أن تعبر عن حقيقة معينة. في الحالة التي ذكرت يحاول أن يجدها عند فرنسيس بيكون، إذا كان قد عثر عليها عند هذا الفنان، فلماذا التعب في البحث عنها في السينما والكتابة الروائية والجنون…كل ما يمدنا به دولوز أو ما أقوم به شخصيا لا يعدو أن يكون رواية (Récit) حتى ولو تظاهر بالصرامة والجدية فإنه يبقى رواية حول مسار ما (Processus) كالذي حاولت أن أشرحه لك عن تأويل العمل الفني. رواية حول الحقيقة، كيف ومتى تتجلى.
هل هي الحقيقة أو هل هي حقيقة العمل الفني؟ لا يمكنني أن أجزم بذلك. ولكن حيث لا أستطيع أن أتبع جيل دولوز هو عندما يعتبر الفن كنبوءة ما. هناك لازمة (عنده) مؤداها أن الفنان يمتاز بنوع من النبوة، أي أنه يخبرنا بأشياء لا يمكن أن نتوصل إليها بمجرد الملاحظة، هذا صحيح لكن المشكلة هي أن هذا الاعتقاد فيه نوع من اللاهوت يقول إن هناك أمورا مسجلة داخل ذواتنا وباستطاعة الفنان وحده الكشف عنها. البحث عن أشياء وكأنها مسجلة في العين أو في مكان ما من الجسد. هناك نوع من تأليه الفن. لذا اعتبر في نصه (عن بايكون) أن الصباغة (la peinture) لازال لديها ما تمدنا به. وكان حديثه حول الجدل، الذي اندثر اليوم، بين التشخيص والتجريد. القول بهذا في نهاية القرن العشرين كان يعني، من جملة ما يعنيه، عدم الاهتمام بما كان يجري على الساحة الفنية آنذاك…دولوز توفي سنة 1995، وكنت قد شاهدت معرض “اللاماديون” (les immatériaux) والذي نظَّمه بمركز جورج بومبيدو بباريس سنه 1985 الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوطار، وكان دولوز لا يزال حيّا، ولم أقرأ له لا تعليقا ولا نقدا عن هذا الحدث. مع أنه كان من اللازم أن يعيد النظر في بعض مسلماته حول نبوءة الفن وألوهية الفنان التي ورثها عن الرومانسية الفلسفية.

أ.د: إذاً، كما ذكرت بالنسبة لحالتي هايدگر ودولوز، فإن المقاربة الفلسفية للأعمال الفنية تنحو إما منحى التفكير في ما سبق (كما هو الحال بالنسبة لهايدگر) أو إنها تسقط في تأليه الفن (كما فعل دولوز مع بايكون)… هل هذا الأمر يصدق على كل المقاربات الفلسفية للأعمال الفنية، أم أن هناك استثناءات فكرت في العمل الفني دون السقوط في الما-سبق أو التأليه؟
موليم العروسي: ذكرتُ المعرض الذي نظمه جان فرانسوا ليوطار بمركز جورج بومبيدو. بباريس. لكن هناك أيضا علماء اجتماع، محللون نفسانيون ومؤرخو فن يتعاملون مع الأعمال بشكل مباشر. العمل الذي قامت به ناتالي هينيك (Nathalie Henich) والذي كان في الأصل رسالة دكتوراه حضرتها مع عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، وهناك على الخصوص الصديق الفيلسوف إيف ميشو (Yves Michaux) الذي خبر العمل الفني عن قرب، بحكم تحمّله مسؤولية مدرسة الفنون الجميلة بباريس، بنفس الفترة التي كنت فيها أنا والفنان عبد الكبير ربيع نتحمل المسئولية ذاتها بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، وهي التجربة التي عاصرتها وتابعتها وتحملت عبء الدفاع عنها. الحقيقة أن الفلسفة لم تتخلص بعد من فكرة هيغل القائلة بأنها تأتي في المساء. أي انها تنتظر أن تنضج الأشياء أو أن تتوقف عن التطور بمعنى أن تموت وتنتهي وتصبح متجاوزة لكي تفكر فيها الفلسفة. ليست الفلسفة وإنما المشتغلون بالفلسفة هم الذين يعتقدون ذلك.

أ.د: باعتبارك أحد المتخصصين في الصورة، قمتَ بتوضيح وتطوير العديد من الأفكار والأطروحات المتعلقة بالنقد الفني والجماليات، وذلك في مؤلفاتك، كما في عدة مناسبات. كما تتبّعتَ بتقصٍ شديد تاريخ “العين”، والذي كان مسنودا بالفكر الإغريقي، ثم الفكر التوحيدي (الأديان الثلاثة)، ثم الفلسفة الغربية المعاصرة. هل ما يزال تاريخ النظر le voir الآن مستندا إلى هذه المرجعيات، أو إلى البعض منها؟ أم أنه ينهل، مع فنون الحداثة وما بعدها، من مرجعيات أخرى؟
موليم العروسي: فعلا كان هذا هو بحثي لنيل الدكتوراه. وكنت حررته ودافعت عنه سنة 1986 قبل صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري (Régis Debray, Vie et mort de l’image, une histoire de l’œil en Occident)، وحتى على مستوى النشر فلقد نشر كتابي بالفرنسية تحت عنوان (Esthétique et Art islamique) وهذا اختيار الناشر، سنة 1991 بينما نشر كتاب ريجيس دوبري سنة 1992. لماذا كان الاهتمام بالعين؟ لأنني وأنت كذلك وجماعة ديونيزوس والهيئة الاستشارية لمجلتكم ومفكري العرب بعد ما سمي بفترة الاستقلال ونهاية الاستعمار، تَبَيَّن لنا أننا عشنا إرهابا وضغطا كبيرا فيما يتعلق بالمعرفة التي راكمها الغرب عنّا، وعن الطريقة التي قَدَّمَنَا بها الغرب إلى نفسه ولنا أيضا.
واستعمال الصورة، عبر الآلة الفوتوغرافية أو التصوير الصباغي، ترك جروحا لازالت حية إلى اليوم. تنميط صورة الإنسان المستعمر، والأمر يتعلق هنا بما قدمه الغرب عنّا كصور، وكيف أنه سَلَبنا بطريقة غريبة حقنا في التصوير. أوَّلَ النص القرآني والأحاديث، وقرّر أن جزءا من العالم، جزيرة العرب، ما بين. النهرين، الهلال الخصيب، وشمال إفريقيا، شعوبٌ تعادي التصوير وهي بهذا تعاني من عمى الألوان. المعضلة هي أن الناس في هذه البلدان تبنت هذه الحكاية وصارت تدافع عنها. تصوَّرْ أنه سنة 2007 ألقيتُ محاضرة في الدوحة حول هذا الموضوع، ونُقلت كلها أو جزء منها على موقع الجزيرة، تصوَّرْ العدد الهائل من المعلقين الذي اتهمني بالكفر والإلحاد، بل منهم من تفتقت قريحته وبحث في الأسماء وخلص إلى أن اسمي اسم يهودي.
قلت في هذه المحاضرة وهي منشورة في كتاب أن الإسلام لم يحرم الصورة وأن القرآن لا يقول هذا وأن الأحاديث الشائعة بهذا الشأن موضوعة. وقدمت حُججاً على ما أقول.
في تلك الفترة إذاً، كان من الضروري التركيز على هذا الموضوع من باب التاريخ والفلسفة وعلم النفس التحليلي واللاهوت والتصوف.
أما اليوم فالنظر لا زال فعّالا، ولكن استراتيجية الحديث والتحليل فيما يتعلق بالمرئي تغيرتْ.

أ.د: من بين ما نسعى إليه في هذه المحادثة-المحاورة، إزالة سوء الفهم الذي يلفُّ طبيعة الفن، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنه، خاصة من زاوية ارتباطه بالجمال. هذا المفهوم الأخير الذي ابتعد كثيرا عن أحد أهم معانيه: “الإحساس بالتناسق الممتع”. لكننا ما زلنا ننتظر من الفنان أن “يمتعنا”، رغم أن “الجمال ظاهرة متقلبة جدا”، وليس للفن ارتباط ضروري بالجمال. هل يعمل النقد الفني والبحث الجمالي حالياً على إزالة هذا الفهم؟
موليم العروسي: نعلم أن الفن حادثٌ تاريخيا. صحيح أن المفهوم العام الرائج عند عامة الناس يفهم منه أن الفن كان دائما حاضرا في حياة الناس، لكن الأمر ليس كذلك في نظر الفلسفة. ولهذا إذا نظرنا إلى ما نسميه الفن، اليوم، من حيث هو الممارسة التي تنتج الجميل فسوف نرى أن هذا النوع من الممارسة لم يظهر إلا مع منتصف القرن الثامن عشر. صحيح أن الإنسانية كانت تنتج الصور وتنظُم الأبيات، وتؤلف الموسيقى، لكن الدور الذي كان مطلوبا من ممارسات كهذه ليس هو الدور الذي سوف يُطلب منها في التاريخ الذي ذكرت. لو اقتصرنا على ميدان التصوير لوحده (الحديث يخص هنا تاريخ التصوير في الغرب) وتأملنا تطوره في التاريخ، فسوف نرى أن الرسام كان يُنجز، تحت الطلب عملا يَنقل بموجبه ما كان في الكتاب المقدس (الإنجيل هنا)، أو الإعلاء من شأن بعض الأحداث التاريخية، أو استرجاع بعض الأعمال النحتية أو الرسمية القديمة، على اعتبار أنها كانت مكتملة من الناحية التقنية. لكن في اليوم الذي قطع فيه الإنسان علاقته بكل ما هو خارج عن ذاته فيما يتعلق بأخذ القرار (السياسي، الديني، الإبداعي، الإيروتيكي…)، أصبح يبدع من أعماقه عوض التوصل بالأمر من خارج إرادته. وحدث هذا مع الرومانسية ولا يزال التفكير في الفن والإبداع بصفة عامة، يعتمد قاموس الرومانسية كلما تعلق الأمر بشرح العمل الفني، حتى ولو كان المنتج يناقض الرومانسية.
إذاً، عندما نقر بأن الأمر يتعلق بدفق آتٍ من الأعماق، لا يمكننا أن نضمَن مُنتجا يعطينا “الإحساس بالتناسق الممتع”، كما لا يمكنا أن نضمن الإحساس بالجمال، كما يريد تعريفه المربّون الذين يبحثون عن شيء اسمه تهذيب الذوق. لا، الفن بهذا المعنى متوحش. لقد تحدثنا قبل قليل عن فرنسيس بايكون، أين هو الإحساس بالتناسق الممتع في عمله؟ وأين هو في القصائد العربية الكبيرة؟

أ.د: يقول الشاعر راينه ماريا ريلكه “نحن نَحلات اللامرئي، نمتص بلهفة عسل المرئي، لنجمعه في قفائر اللامرئي الكبيرة”، “مهمتنا هي أن ننقش في أنفسنا هذه الأرض المؤقتة الهشة، أن ننقشها بمثل هذا العمق، بمثل هذا الإيلام، وبمثل هذا الشغف، بحيث ينبعث جوهرها في داخلنا في حالته غير المرئية”. هل ما زالت الذات تشتغل بنفس المنطق القديم على عطايا الأرض وتحويل المرئي إلى لا مرئي، عبر الفن والشعر والإبداع، أم طرأت عليها تغييرات وخروقات جديدة؟
موليم العروسي: إذا أخذت بوجهة نظر ما يسمى بالفن المعاصر اليوم، لكن في جذريته وليس من خلال أولئك الذين يستعملون الفن المعاصر للدخول إلى السوق، فإن عبارتك ”أم طرأت تغييرات وخروقات جديدة” تبقى هي الأقرب للصواب. هذا لا يعني أن وجهة نظر الشاعر راينر ماريا ريلكه انتهى أمرها. ريلكه ينتمي إلى المد الرومانسي العميق والذي لا زال يعمل إلى اليوم. لا زالت قوة الفكر الرومانسي هي الغالبة على كل ما يكتب في الفن. والغريب أن عددا من كتبة النقد، والذين يكتبون نصوصا عما يسمى بالفن المعاصر، يستعملون بعضاً من سجل الفكر الرومانسي. والجوهر الذي ينبعث في داخلنا في حالته غير المرئية هو ما أشرتُ إليه عند الراحل دولوز.
أكيد أن الفن (الشعر والموسيقى والكتابة بصفة عامة، والرقص والفن البصري) المشمول بحجاب اللامرئي الشفيف لا زال هو القوي، وهو الذي يحملنا بعيدا عن ذواتنا بمعنى أنه يعيدنا إلى أصل الصرخة البدئية: صرخةُ الحياة. لكن ما يكتسح الساحة اليوم مسنودا بالتقنيات الجديدة، وبالسوق الرأسمالية المتبربرة لا يؤمن بالداخل، إنه يؤمن بالسطح فقط، وهذا لم يبدأ اليوم، بل نجد له جذوراً في مرحلة الستينيات، بل وحتى عند الدادائية، لكن ليس بنفس التطرف. فالشعر كما نجده اليوم في الرّاب وفي الصّْلام، لا علاقة له بما يقول ريلكه، وكذلك بالنسبة للموسيقى وللرقص والفن البصري. صحيح أن للأمر علاقة بما يحدث في المجتمع، لكن الذوق والفكر يحدث تنميطهما بشكل كبير، وبشكل لا يمكن أن نجزم على أنه في صالح المستقبل.
هذا لا ينفي أن هناك أعمالا مهمة تستحق الاهتمام والوقوف عند أسلوبها ومضامينها.

أ.د: في اعتقادنا، لا يمكن إغفال جانب النقد الفني، في الوقت الذي تركزُ فيه، داخل بحوثك الجمالية، على تجربة بعينها، هنا أو هناك. فهل من الضروري أن يكون الباحث في الجماليات متابعا جيدا للمُنْتجات الفنية الفردية، بالرغم من كونه معني (مع وضع مسافة) بدراسة “ظاهرة” أو تيار أو توَجُّه، في أفق تأطير ذلك ضمن حساسية تشكيلية/ بصرية بكل أبعادها الجمالية؟
موليم العروسي: كنت أتمنى وأنا ألج باب التفكير في المغرب من خلال التعبيرات الثقافية والفنية، أن تتكون مدرسة نقدية مغربية تهتم بقطاعات فينة معينة. لكن هذا الحلم يتبخر وسبب ذلك في وجود تجار الفن، وجزء من الفنانين وعدد قليل من جمّاعي الفنون. النقد الفني كما تعرف، مؤسسة قائمة الذات في البلدان التي تعتبر أن الثقافة سلاح مهمٌ لعقولِ مواطنيها، وسلاحٌ أهم لعلاقتها مع باقي العالم. في المغرب لم يكن هذا هم السّلطات العمومية التي اختارت التقليد على حساب التجديد. بالنسبة لتجار الفن عندما يغامرون بتمويل كتاب ما، يفضلون أن يغازلوا جهل محبي الفن، ولذا يطلبون مِن الذي انتخب للكتابة، ألا يبتعد عن الخط العام والذي هو إعادة إنتاج، بشكل رديء، لخطابٍ أُنتج في فرنسا حول الأعمال الفنية المغربية. إنتاجُ خطابٍ مؤَسَّس على ما سبق أن تفضلتَ به: “الإحساس بالتناسق الممتع”. هذه المقولة تمتح من قاموس السلطة التي تسعى إلى جعل الفن أداة من أدوات السلطة في تدجين المواطنين.

أ.د: نعرف أنك مُطّلع دقيق وشامل على الخطاب الموازي من نقد وتنظير في مجال الفنون التشكيلية والبصرية الراهنة، إلى أي حد يمكن الحديث عن نجاعة وجودة الكتابة النقدية والنظرية والجمالية في المغرب على وجه الخصوص، وفي العالم العربي بعامة؟
موليم العروسي: يجب أن نفصل في سؤالك بين ما ينجزه الصحافي، سواء أكان ذلك في الصحافة أو على وسائل السمعي البصري وبين ما يكتبه النقاد سواء في مقالات أو كتب. ينسحب هذا الكلام بالطبع على جميع أصناف الفنون، لكن السينما والفنون التشكيلية تتميزان بشيء خاص، هناك نوع من الإنزال الكتابي حول هذين النمطين من التعبير، ويصدق الأمر أكثر على الفنون التشكيلية. صحيح أن الشاعر والروائي والرجل العادي يمكن أن يعبر عن رأيه في فن من الفنون لكن أن يتحول هذا الرأي بعد بضع محاولات إلى مهنة فهذا يدعو للسؤال. يحدث في الكتابة عن الفن ما يحدث في التعامل مع آلة التصوير. كل من يملك آلة للتصوير يحدثه شيطان نفسه في أن يصبح فنانا فوتوغرافيا. ويحدث أيضا نفس الشيء مع الكمبيوتر، فكل من تعلم مبادئ الفوتوشوب يعتقد أن بإمكانه تصميم الملصقات والأغلفة والإعلانات الإشهارية.
إذا أضفت كل هذه الأشياء إلى بعضها ووضعت الذي يَصُفُّ الكلمات بجانب من يفتح عين آلة التصوير ومن ينبهر بحيل الفوتوشوب سوف تحصل على شيء يشتكي منه الجميع لكنهم لا يعرفون له سببا، ألا وهو الذوق الرديء. الذوق الرديء يجتاح الفضاء العمومي. يعجبني كثيرا تعريف جيل دولوز للرداءة حيث يقول ”الرداءة فضاء موجود وينتظر من يملأه”، وبالطبع لا يملأه إلا أولئك الذين لا يعرفون ويعتقدون أنهم يعرفون، وهم الجَهلة، وهم أخطر الخلق.
لكن لحسن حظنا أن هناك نقادا وشعراء وفلاسفة يمتعوننا بكتاباتهم. وأنت تعرف هذا، فعندما نلتقي في حلقات أو ندوات مع أصدقائنا من المغرب ومن العالم العربي. فإننا نشتكي قبل كل شيء من هذه الظاهرة.

أ.د: من وجهة نظرك كيف يمكن للكتابة الروائية أن تساهمَ في تجميل الفضاء والحياة، وخلق هذا المفهوم الدخاني للفن، والذي ينتشر في كل مكان ليحتل المكتوبَ ويعلنَ عن انتصار علمٍ للجمال؟
موليم العروسي: الذي يجمِّل الفضاء، أو يساهم في تجميل الفضاء والحياة، هو الكثير من المسلسلات التلفزيونية، وكثير من الثقافة الترفيهية التي لا تطرح أي سؤال على القارئ. الرواية كالشعر والفن الموسيقى والفلسفة والرقص تطرح إشكالات وجودية عميقة، ولم تكتب للترويح عن النفس بعد عناء العمل أو لحظة الاسترخاء تحت أشعة الشمس الصيفية.
أتفق كثيرا مع الجزء الثاني من سؤالك ”وخلق هذا المفهوم الدخاني للفن، والذي ينتشر في كل مكان ليحتل المكتوبَ ويعلنَ عن انتصار علمٍ للجمال”، بالفعل لكن انتصار الجمال كسؤال حول الوجود، وليس الجمالُ كتزاويق وتنميقاتٍ للتسلية.

أ.د: وأنت تكتب الرواية، هل استطعت من خلالها الإجابة عن سؤال ما هو مكان الفن، وأوجه وأشكال وجوده، وقيمته في هذا العالم الجديد؟
موليم العروسي: روايتي الأولى والثانية كانتا تتمحوران حول الحب. وسؤال الحب سؤال فلسفي وجمالي. أنت تعرف أنني عندما قررت تحرير رسالتي لدكتوراه الدولة حول الحب باللغة الفرنسية، أبتْ يداي إلا كتابةً بالعربية، وكتابةَ نص سميناه فيما بعد رواية. يتعلق الأمر بمدارج الليلة الموعودة. ثم جاءت الرواية الثانية قبل أن أعود للنص النظري الفرنسي. عند التحرير وجدتني أغرف من نص الروايتين. يعني أن الأطروحة تأسست داخل نص الروايتين. يمكن أن يحدث هذا داخل الشعر وداخل كل أصناف الإبداع التي هي شيء أحد بالنسبة لي.
أما فيما يتعلق بقيمة الفن داخل العالم اليوم، فإنني لا زلت أومن بما قاله هايدغر على لسان هولدرلين ”الشعراء يؤسسون الذي يدوم”، أعذرني على التصرف في الترجمة لأنني هكذا أفهم شذرة هولدرلين. والشعراء هم المبدعون والفلاسفة على حد سواء، فبدون الفن أظن أن العالم يسير في الظلام. ويبدو أن العمل جار على إسدال الظلام على العالم بالعلم النافع، والنافع فقط وبالتكنلوجيا المتوحشة التي تزيح الدينَ إيذاناً بتصحر الأرواح وبؤسها.

أ.د: بالفعل “الشعراء يؤسسون الذي يدوم”، وهذا ما يتمرآى في كتابك “قناديل الليالي العشر” والذي تحكي فيه قصة/ تجربة القبض على العمل الفني؛ القبضُ الذي لا يمكن أن يكون دون حدوث علاقة عِشقية بين القابض والمقبوض، بين دوخة المبدع واستحالة القبض على ما يتجلى في لحظة العماء… ذلك لأن “الحب فتنةٌ. علاقةٌ تذوب فيها حدود السلطة: أستطيعُ أن أحلل، أن أُكلِّم! إن العلاقة بين الباحث والعمل الفني تتأسس وفق المناجاة الغرامية”، تقول في الكتاب السابق ذكره…
موليم العروسي: فعلا، لكن أعود دائما للقول إن هذا النوع من العلاقة لا يتأتى إلا مع الأعمال الفنية (شعرية، موسيقية، تشكيلية…) التي تجتاح صاحبها وكأنها تُسْتَلُّ من روحه. ”الفن” كما يقدم نفسه اليوم، أو كما يقدمه تجاره ومٌنْجِزوه على أساس أنه لا يسائل إلا السطح، لا يستفز هكذا قراءة، وهكذا علاقة عشقية. على أن هناك ملاحظة وردت في الكتاب الذي أشرتَ إليه، وتتعلق بالعلاقة مع العمل الفني، والتي تقتضي التقاليدُ النقدية والمَتْحَفِيَّة ألا نمسَّه وألا نشتمه أو نلحسه، أي أن التقليد إياه يفرض علاقة مبتورة نوعا ما، وهذا ما يجعل الناقد، وفي غالب الأحيان، يبقى خارج العمل الفني، ويتعامل معه إما بطريقة التشريح، وهنا ينسدُّ العمل ولا يبوح بأي سرّ، وإما كناقد يردد ما قاله سابقوه. لذا قلت ولا زلت أومن بهذا: لا يمكن الدخول في علاقة مع العمل الفني باستعمال الفكر الرياضي (atlethic)، العبارة لدولوز.

أ.د: تناولت في روايتك “ملائكة السراب” عوائق البنى المجتمعية وعلاقتها بأسئلة تَخَلُّف المغرب عن الحداثة، والانتصار للأسطورة على حساب العقل كما في باقي المجتمعات العربية الإسلامية. هل مثل هذه الأسئلة وهذا التحليل العميق داخل نصوصك السردية هو ما يبرر مقولتك بكونك “حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع”؟
موليم العروسي: ما يبرر مقولتي هو إيماني القوي بأن ليست هناك حدود بين الفلسفة والشعر والرواية والموسيقى… إذا انتهى الشاعر من أن يكون فيلسوفا في شعره والفيلسوف شاعرا في تأملاته والموسيقي روائيا والروائي راقصا، فاعلم أن الإنسانية صُمَّتْ آذانُها وعَمِيت أبصارُها، وهي إلى دمارها سائرة. ها أنا ذا حكواتي وفيلسوف في نفس الوقت وأنا أجيبك. ملائكة السراب محاولة تتساءل حول كتابة التاريخ، وأنت تعلم أن العقل المتوحش الذي تبناه أكثر المؤرخين المغاربة فطنة، أفقرَ تاريخ المغرب الكبير، ولم يزاوج بين الخيال والسرد التاريخي، فبقي كبيس روايات المؤرخين الغربيين. الرواية كانت سؤالا في هذا الباب وهي بهذا فتحة في صخرة الفكر المتصلب.

أ.د: هذا يفتح لنا الباب، ربما، للحديث عما يمكن أن نسميه “فكر الكتابة وكتابة الفكر”؛ ويغلب عليَّ الظنُّ أنَّ هذا الفكر وهذه الكتابة قلَّما نجدها في المتون المعاصرة سواء كانت شعراً أو روايةً أو موسيقى أو فلسفة أو حتى فنًّا بجميع أنواعه (تصويراً صباغياً، نحتاً، تنصيباً أداء جسديا، إلخ…)، إلا بعض الاستثناءات القليلة جدا، للأسف… في نظرك ما الذي يعيق في العمق وجود هذا الذي أسميناه “فكر الكتابة وكتابة الفكر”، واسمح لي هنا أن أستحضر هذا المقطع الشعري للشاعر والمفكر أدونيس: “ليس البصرُ أعمى بلِ الرَّأسُ/ ليسَ الكلامُ أجْردَ بلِ اللسَانُ”؟!
موليم العروسي: بالفعل الأعمال الخالدة هي تلك التي تكون مؤسسة لِلفِكْرِ، وليست مجرد تزاويق بلاغية ولفظية. لقد حدث في القرن العشرين أن نشأت عقيدة نقدية حول الفعل الإبداعي وتحليله، وأقصد ما كان يسمى بالبنيوية التي كانت تتعامل مع الفعل الإبداعي وخصوصا الكتابة بطريقة لا تهتم بالمحتوى، بل تعطي الأسبقية للتقنية؛ أي تقنيات الكتابة. ولذا كان النقد يشرح العمل الإبداعي وفق تقنية مضبوطة، ووفق شبكة للقراءة تفضي إلى الحكم إن كان العمل يتقن عملية الكتابة أم لا. وهذه التقنية نفسها مستقاة مما كتب من قبلْ، أي أن هذه النظرية النقدية كانت تريد أن تسطِّر للكاتب كيف يكتب، بغض النظر عن المحتوى. ولهذه هناك عدد من الكتاب يلتزمون بهذه القواعد حتى تتوافق ونظرة النقاد؛ ومن خرج عن هذا الخط يشار إليه بالبنان. قلةٌ إذاً هم الكتاب الذين يؤكدون شخصيتهم ويحرصون على أن تكون الكتابة فكرا، والفكر كتابة، ولا يفصلون بين الأجناس الكتابية.
ما يعيق وجود هذا الذي سميته ”فكر الكتابة، وكتابة الفكر” هو عدم وجود كتاب يفكرون، ويحيل على وجود فائض من الكتاب الذين يصفون الكلمات ويبحثون عن الصور البلاغية لإتحاف القارئ، وليس لدفعه إلى إعادة النظر في مسلماته ومقدساته. لو كانت اللغة وحدها تكفي لكان أول وأكبر الشعراء علماء اللغة. ولو كان تصفيف الألوان ومعرفة تقنياتها يكفيان، لكان أساتذة الرسم في مدارس الفنون أول أكبر الرسامين. لكن “ليس البصرُ أعمى، بلِ الرَّأسُ/ ليسَ الكلامُ أجْردَ، بلِ اللسَانُ”.

أ.د: اسمح لنا في نهاية هذه المُحادثة-المحاورة أن نعود مرة أخرى إلى إشكالية الصورة في الوقت الراهن من خلال هذا السؤال: ما الذي يمكن أن نفهمه “الآن” حين نقول عن عملٍ ما (قابلٍ للزوال) بأنه عملٌ فنيٌّ؛ عملٌ تمَّ إنتاجُهُ في عالَمٍ أصبح فيه كلُّ شيءٍ قابلٍ للزوالِ أو الاستبدال؟
موليم العروسي: نعود إلى الجواب عن سؤال سابق. لمّا فُهِمَ الفن (في العهد الرومانسي) على أساس أنه نابع من الروح، أريد له أن يكون خالدا تماما كما الروح. لذا تجد الإنسانية تكدُّ وتجتهد في الحفاظ على قطع القماش والخشب والنحاس وكل شيء اعتبرت أنه يحمل في ثناياه جزءاً من روح الفنان. لكن، لمّا أعيد النظر (مع ما يسمى اليوم الفن المعاصر) في الفكرة الأساسية، أي مصدر الفن والإبداع أعيد النظر أيضا في أهمية ما ينتجه المسمى اليوم فناناً. لقد ثار الفنانون المعاصرون في بداية الجزء الثاني من القرن العشرين على فكرة المُتحف وقاعة العرض، وحتى الفن داخل الجدران، بل قرروا أن الفن يجب أن يكون بين الناس، أن يُنْتَج، ثم ينتهي أمره، وأن لا ضرورة لا لتأليه الفنان، أو عبادة أصنام الفن. يجبُ إعادة النظر، وأنت محق في ذلك، في التسمية. وكما قلت بعد قليل فإن التسميات والمفاهيم الرومانسية لا زالت رائجة إلى اليوم، وهي التي تسعف الفنانين والنقاد على السواء. فحتى لو كانوا ينتجون فنا معاصراً يُعتبر في أصله نقدا وتجاوزا للعهد الرومانسي، فإن تسمياتهم لا زالت رومانسية.

أ.د: في ظل هذه الصورة التي رسمتَها، ماذا يعني أن تكون ناقدا فنيا أو باحثا في الجماليات الآن؟
موليم العروسي: أين؟ في المغرب، أم أين؟ يجب أن نعترف بشيء أساسي هو أن النقد الفني مرتبط بالعمل الفني ولا ينزل مدرارا من السماء. لا يمكن أن تفكر في شيء لا تعرفه. أرى عددا من الكتابات حول أعمال تصويرية، إذا ما تأملناها في حد ذاتها وجدنا أنها غير قابلة للتسجيل في خانة الفن أو أنها تنتسب إلى عصر غير عصرنا. ما الذي يمكن لنوع من هذه الكتابات أن تأتي به من جديد؟
ليست هناك وصفة خاصة بهذا الجنس من الكتابة، لكن أظن أنه وككل الحرف، لا بد من التوفر على معرفة على الأقل بالمادة التي تريد أن تشتغل عليها، ولا بد من التسلح بجهاز مفاهيمي صلب. أما إذا كان الأمر يتعلق بإطلاق الكلام على عواهنه فهذا شيء آخر، ولكلٍّ الحقُّ في قول ما يريد، وأتمنى أن يكون التاريخ فيصلا في هذا ليُنصف الذين كتبوا لبناء فكر فني وفلسفي.

Exit mobile version