تربية وتعليمعامة

مراد وهبة: نقد الأيديولوجيا في التعليم والمجتمع..

نقد الأيديولوجيا في التعليم والمجتمع..
قراءة تحليلية في مشروع الدكتور حسن البيلاوي..

مدخل شخصي – عن صداقة امتزج فيها العلم بالحياة..

ليس من السهل أن يكتب المرء عن كتابٍ لصديق عمر، لا لأن الصداقة تعيق الحكم، بل لأنها تفرض عليه مستوى أعلى من الصدق والدقة.
عرفتُ الدكتور حسن البيلاوي منذ سنوات التكوين الأولى، يوم كنا نتشارك مقاعد الدراسة، ونتقاسم قلق الأسئلة الكبرى حول التعليم والمجتمع والمعنى. تشاركنا رحلة البحث العلمي، وحصلنا على الدكتوراه في توقيت متقارب، واحتفلنا معًا بمحطات الحياة الكبرى، من نجاح علمي إلى استقرار أسري، في مسار إنساني لا ينفصل فيه الفكر عن التجربة.

من هنا، تأتي هذه المراجعة لا بوصفها مجاملة لصديق، بل بوصفها قراءة واعية لمشروع فكري أعرف جذوره ومساراته، وأدرك كم من الجهد والقلق المعرفي يقف خلف هذا الكتاب.

عن المؤلف ومسيرته العلمية والادارية..

الدكتور حسن البيلاوي ليس اسمًا عابرًا في حقل التربية وعلم الاجتماع التربوي في مصر والعالم العربي. فقد شغل مناصب أكاديمية وإدارية رفيعة، من بينها عميد كلية التربية بجامعة بنها، ومدير المركز القومي للتقويم التربوي، ومدير مكتب وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور حسين كامل بهاء الدين، فضلًا عن كونه يشغل حاليًا منصب الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية.

غير أن أهمية البيلاوي لا تكمن فقط في المناصب، بل في قدرته النادرة على الجمع بين التفكير النظري العميق والخبرة المؤسسية المباشرة، وهو ما ينعكس بوضوح في هذا الكتاب، الذي كُتب من موقع العارف ببنية النظام التعليمي، لا من برج عاجي..
«نقد الأيديولوجيا في التعليم والمجتمع» تتويجًا لمسار فكري طويل، لا ينشغل بالإصلاح التعليمي بوصفه مسألة تقنية أو إدارية، بل بوصفه قضية ثقافية – أيديولوجية في جوهرها.

مقدمة الكتاب..
يأتي كتاب «نقد الأيديولوجيا: التعليم والمجتمع» للدكتور حسن البيلاوي بوصفه عملًا فكريًا ناضجًا، لا يندرج ضمن أدبيات “إصلاح التعليم” بالمعنى التقني السائد، بل يتجاوزه إلى مستوى أعمق، هو مساءلة الشروط الفكرية والسياسية التي تجعل الإصلاح ذاته مستحيلًا أو شكليًا. فالكتاب لا يسأل: كيف نُصلح التعليم؟ بل يسأل السؤال الأخطر: لماذا يفشل التعليم في أداء دوره التنويري رغم كثرة مشروعات الإصلاح؟

تنطلق هذه المراجعة من افتراض أن الكتاب يمثل ذروة مسار فكري طويل للمؤلف، تداخلت فيه الخبرة الأكاديمية بالفلسفة التربوية، والخبرة المؤسسية داخل أجهزة الدولة التعليمية، ما منح النص كثافة نظرية نادرة وواقعية تحليلية في آن واحد. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لبنية الكتاب، ولمفاهيمه المركزية، ولمقاصده الفكرية، بعيدًا عن العرض الوصفي أو التلخيص المباشر.

*** المقدمة بوصفها بيانًا فكريًا..

لا تُكتب مقدمة هذا الكتاب بوصفها تمهيدًا تقليديًا، بل باعتبارها بيانًا فكريًا يحدد موقع المؤلف من قضايا التعليم والمجتمع. يعلن البيلاوي منذ الصفحات الأولى أن الأزمة التعليمية ليست أزمة مناهج أو إدارة أو تمويل فحسب، بل هي أزمة وعي اجتماعي مؤدلج، يحدد مسبقًا ما يُسمح للتعليم أن يكونه وما يُحظر عليه تجاوزه.

في هذا السياق، يرفض المؤلف الاختزال الشائع لمفهوم الأيديولوجيا بوصفه “تحيزًا سياسيًا”، ويعيد تعريفه كنسق شامل من القيم والتصورات والممارسات التي تعمل على إنتاج الطاعة والامتثال باسم العقلانية والاستقرار. ومن هنا، تصبح التربية أحد أخطر الحقول التي تعمل فيها الأيديولوجيا، لأنها لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تُنتج أنماط التفكير ذاتها..

*** الإطار المفاهيمي لنقد الأيديولوجيا: من الوعي الزائف إلى إعادة إنتاج الهيمنة..

لا يمكن قراءة كتاب «نقد الأيديولوجيا: التعليم والمجتمع» قراءة علمية جادة دون التوقف طويلًا أمام الإطار المفاهيمي الذي يؤسسه الدكتور حسن البيلاوي منذ الصفحات الأولى. فالكتاب لا ينطلق من تعريف إجرائي مبسط للأيديولوجيا، ولا يتعامل معها بوصفها موقفًا سياسيًا أو انحيازًا فكريًا مباشرًا، وإنما يعيد بناء المفهوم في سياقه الفلسفي والاجتماعي والتربوي، بوصفه نسقًا شاملاً لإنتاج الوعي وضبطه.

  1. الأيديولوجيا: من المفهوم السياسي إلى البنية الاجتماعية
    ينطلق البيلاوي من نقد الاستخدام الشائع لمفهوم الأيديولوجيا في الخطاب العربي، حيث تُختزل غالبًا في كونها «أفكارًا حزبية» أو «رؤى سياسية متطرفة»، ليعيد ربط المفهوم بجذوره النقدية الكلاسيكية، لا سيما في التراث الماركسي وما بعد الماركسي، حيث تُفهم الأيديولوجيا باعتبارها بنية رمزية تعمل على إخفاء علاقات القوة وإعادة إنتاجها.

في هذا الإطار، لا تكون الأيديولوجيا كذبًا صريحًا، بل تكون – وهو ما يلح عليه المؤلف – حقيقة جزئية تُقدَّم بوصفها الحقيقة الكاملة. إنها لا تُمارس القهر المباشر، بل تمارس ما يمكن تسميته «القهر الناعم»، عبر جعل القائم اجتماعيًا يبدو طبيعيًا، وجعل القائم سياسيًا يبدو قدريًا، وجعل القائم تربويًا يبدو محايدًا.

وهنا يبرز أحد أهم إسهامات الكتاب:
الأيديولوجيا ليست خطاب السلطة وحدها، بل قد تتحول إلى وعي اجتماعي عام، يتبناه المحكومون أنفسهم ويدافعون عنه بوصفه منطقًا عقلانيًا أو مصلحة وطنية.

  1. الأيديولوجيا والتربية: علاقة بنيوية لا عرضية
    يرفض البيلاوي التعامل مع التعليم بوصفه مجالًا تقنيًا مستقلًا عن الصراعات الاجتماعية، ويضعه – بوضوح وحسم – داخل قلب المعركة الأيديولوجية. فالتعليم، في نظره، ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو آلية مركزية لإنتاج أنماط التفكير المقبولة اجتماعيًا وسياسيًا.

ومن هذا المنطلق، ينتقد المؤلف بشدة الخطاب السائد حول «حياد التعليم»، معتبرًا أن هذا الحياد ذاته ادعاء أيديولوجي. فاختيار ما يُدرَّس، وما يُهمَّش، وما يُمنع من التفكير فيه، هو فعل سياسي بامتياز، حتى وإن قُدِّم في لغة علمية أو إدارية.
ويكشف الدكتور حسن البيلاوي كيف تتحول المدرسة والجامعة إلى فضاءات لإعادة إنتاج:
الطاعة باسم الانضباط
الامتثال باسم النظام
القبول بالأمر الواقع باسم الواقعية
وبذلك تصبح التربية أداة لإدارة الوعي، لا لتحريره.

  1. نقد الوعي الزائف: المهمة التنويرية المؤجلة
    يحتل مفهوم الوعي الزائف موقعًا مركزيًا في هذا الفصل، لكنه لا يُستخدم بوصفه إدانة أخلاقية للجماهير، بل بوصفه نتيجة تاريخية لشبكة معقدة من الخطابات والممارسات. فالناس، في تصور البيلاوي، لا يُخدعون بسهولة، وإنما يُعاد تشكيل وعيهم تدريجيًا عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني والخطاب الوطني.

ومن هنا، يطرح المؤلف سؤالًا بالغ الأهمية:
كيف يمكن للتعليم أن يؤدي دورًا تنويريًا، وهو نفسه واقع داخل قبضة الأيديولوجيا؟
هذا السؤال لا يُطرح بوصفه لغزًا نظريًا، بل بوصفه إشكالية عملية، تفسر لماذا تفشل مشروعات الإصلاح التربوي المتعاقبة، ولماذا تتحول شعارات مثل «التفكير النقدي» و«المواطنة» إلى مفردات خاوية من مضمونها.

  1. من الوصف إلى النقد: موقع الكتاب داخل الفكر التربوي النقدي..
    لا يقف البيلاوي عند حدود التشخيص، بل ينخرط بوضوح داخل تقاليد التربية النقدية، حيث يصبح كشف الأيديولوجيا شرطًا أوليًا لأي إصلاح حقيقي. فالتحرر التربوي لا يبدأ بتغيير المناهج، بل بتغيير طريقة فهمنا لدور التعليم ذاته.
    وفي هذا السياق، يضع الكتاب نفسه ضمن مشروع فكري أوسع، يسعى إلى:
    فضح التداخل بين السلطة والمعرفة..
    مساءلة الخطاب الرسمي حول التعليم..
    إعادة الاعتبار لدور التربية في إنتاج مواطن ناقد لا تابع
    وهو ما يجعل هذا الجزء بمثابة الأساس النظري الذي تُبنى عليه بقية مكونات الكتاب..

والخلاصة يمثل هذا القسم من الكتاب المفتاح المفاهيمي للكتاب كله، ولا يمكن فهم تحليلات البيلاوي اللاحقة للتعليم والسياسات التربوية دون استيعاب هذا البناء النظري للأيديولوجيا بوصفها منظومة إنتاج للوعي لا مجرد خطاب سياسي..

*** التعليم بوصفه جهازًا أيديولوجيًا: إعادة إنتاج المجتمع وحدود الإصلاح التربوي..

ينتقل الدكتور حسن البيلاوي في الفصول التالية
من التأسيس المفاهيمي إلى التحليل البنيوي، واضعًا التعليم في قلب ما يمكن تسميته بنية الضبط الاجتماعي الحديثة. فالتعليم، في تصوره، لا يعمل في فراغ، ولا يمكن فهمه باعتباره مؤسسة مستقلة عن الدولة أو الاقتصاد أو الثقافة السائدة، بل هو – في جوهره – أحد أهم الأجهزة الأيديولوجية التي تعيد إنتاج المجتمع كما هو.

  1. التعليم والدولة: علاقة عضوية لا حيادية..

ينطلق حسن البيلاوي من فرضية مركزية مفادها أن الدولة الحديثة لا تكتفي بأدوات القهر المباشر (الشرطة، الجيش، القانون)، بل تعتمد بدرجة أكبر على أدوات ناعمة لإنتاج الامتثال، ويأتي التعليم في مقدمة هذه الأدوات. فالمدرسة والجامعة لا تنقلان المعرفة فحسب، بل تنقلان تصورًا محددًا عن العالم، وعن السلطة، وعن الذات.

ويحلل المؤلف كيف تُصاغ السياسات التعليمية بحيث:
تكرّس القبول بالتراتبية الاجتماعية
تعيد إنتاج الفوارق الطبقية تحت ستار الجدارة والاستحقاق
تُطبع الوعي على الامتثال بوصفه عقلانية
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «تكافؤ الفرص» جزءًا من خطاب أيديولوجي يخفي واقع اللامساواة البنيوية بدلًا من معالجته.

  1. المدرسة بوصفها فضاءً للضبط لا للتحرر..
    يفكك البيلاوي الصورة الرومانسية للمدرسة بوصفها فضاءً للتنوير، ليكشف كيف تتحول – عمليًا – إلى مؤسسة للانضباط أكثر منها مؤسسة للمعرفة. فالزمن المدرسي، ونظام الامتحانات، والمناهج، وأساليب التقويم، جميعها تعمل على تشكيل أنماط بعينها من السلوك والتفكير.
    ويشير المؤلف إلى أن أخطر ما في هذا النمط من التربية ليس القمع الظاهر، بل تطبيع القمع، بحيث يتعلم المتعلم منذ الصغر:
    أن السؤال خطر..
    أن الاختلاف عبء..
    أن الطاعة شرط للنجاح..

وبذلك، لا تُنتج المدرسة مواطنًا حرًا، بل تُنتج فردًا قابلًا للاندماج في بنية قائمة دون مساءلتها.

  1. وهم الإصلاح التعليمي: نقد الحلول التقنية
    يخصص الدكتور البيلاوي جزءًا مهمًا من هذا الفصل لنقد الخطابات الإصلاحية السائدة، لا سيما تلك التي تركز على:
    تطوير المناهج..إدخال التكنولوجيا..تحسين طرق التقويم..
    دون أن تمس جوهر العلاقة بين التعليم والسلطة. ويرى أن هذه الإصلاحات – على أهميتها الجزئية – تتحول إلى إصلاحات شكلية ما دامت لا تعالج البنية الأيديولوجية التي تحكم النظام التعليمي.
    فالتعليم، في ظل هذه المقاربات، يُصلَح ليكون أكثر كفاءة في أداء وظيفته القديمة:إعادة إنتاج المجتمع، لا تغييره.
  2. التعليم والهيمنة الثقافية..
    يتقاطع تحليل البيلاوي هنا مع مفهوم الهيمنة الثقافية، حيث يوضح كيف يُستخدم التعليم لإعادة إنتاج سردية واحدة عن: التاريخ..الهوية..الوطنية..النجاح والفشل..

وتُقدَّم هذه السردية بوصفها طبيعية وبديهية، بينما تُقصى السرديات البديلة أو تُوصم بالتهديد أو عدم الواقعية. وهكذا، يصبح التعليم أداة لإدارة الذاكرة الجماعية، لا لتحريرها.

  1. موقع هذا القسم في بنية الكتاب..
    يمثل هذا القسم بفصوله المتعددة حلقة وصل مركزية بين النظرية والتطبيق في الكتاب. فمن خلاله، ينتقل البيلاوي من نقد المفهوم إلى نقد المؤسسة، مبيّنًا أن أي حديث عن تغيير تربوي حقيقي لا بد أن يبدأ بإعادة النظر في وظيفة التعليم داخل النظام الاجتماعي والسياسي.
    وهو بذلك يضع القارئ أمام سؤال صريح ومقلق:
    هل نريد تعليمًا يغيّر المجتمع، أم تعليمًا يُجيد تبرير ما هو قاىءم..
    ما يميز هذه الفصول الاولي من الكتاب ليس فقط عمق ا المؤلف النظري، بل شجاعته في كسر التواطؤ الصامت بين الخطاب التربوي الرسمي والواقع الاجتماعي. فالبيلاوي لا يكتب من موقع الوعظ، بل من موقع من خبر المؤسسة من الداخل، وعرف حدودها، وقرر أن يسائلها بلا مواربة. *** الأيديولوجيا والسياسات التعليمية: من ادعاء العلمية إلى هندسة الامتثال..

ينتقل الكتاب بعد ذلك من تحليل المؤسسة التعليمية إلى تحليل منطق القرار التربوي ذاته. فهنا لا يكتفي البيلاوي بوصف التعليم كجهاز أيديولوجي، بل يتوغل في الكيفية التي تُصاغ بها السياسات التعليمية، كاشفًا عن التداخل العميق بين العلم، والسلطة، والأيديولوجيا.

  1. من يتخذ القرار؟ سؤال السلطة قبل سؤال الخبرة
    ينطلق الدكتور البيلاوي من سؤال يبدو بسيطًا لكنه بالغ الدلالة:
    من الذي يحدد ما ينبغي إصلاحه في التعليم؟ وبأي منطق؟

ويبين أن السياسات التعليمية لا تُبنى – في الغالب – على نقاش مجتمعي مفتوح أو على رؤية تربوية نقدية، بل تُصاغ داخل دوائر مغلقة، تُقدَّم بوصفها «لجان خبراء» بينما هي، في حقيقتها، تعبير عن أولويات السلطة السياسية والاقتصادية.

وهنا تتحول «الخبرة» من أداة معرفية إلى قناع أيديولوجي، يُستخدم لإضفاء شرعية علمية على قرارات تحمل في جوهرها خيارات سياسية واجتماعية محددة سلفًا.

  1. العلم بوصفه خطابًا: نقد الحياد المزعوم..
    يفكك اكتور حسن البيلاوي خطاب «العلمية» الذي يرافق السياسات التعليمية الحديثة، خاصة تلك المرتبطة بالجودة والاعتماد والمعايير الدولية. فلا يعارض المؤلف العلم أو المنهج، لكنه يحذر من تحويلهما إلى سلطة مغلقة لا تُسائل.
    ويؤكد أن العلم، حين يُفصل عن سياقه الاجتماعي، يتحول إلى: تقنية ضبط ،أداة إقصاء ،وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة..

وبذلك يصبح الحديث عن «أفضل الممارسات العالمية» ستارًا يخفي سؤال: أفضل لمن؟ وبأي كلفة اجتماعية وثقافية؟

  1. لغة السياسات: حين تصبح المفاهيم أدوات ترويض
    يولي الدكتور البيلاوي اهتمامًا خاصًا بلغة الوثائق والسياسات التعليمية، كاشفًا كيف تتحول مفردات مثل:
    الجودة..الكفاءة..التنافسية..المواءمة مع سوق العمل..
    إلى مفاهيم أيديولوجية تُستخدم لإعادة توجيه التعليم بعيدًا عن وظيفته التنويرية. فالتعليم، في هذه الرؤية، لا يُقاس بقدرته على إنتاج وعي نقدي، بل بقدرته على إنتاج أفراد «قابلين للتوظيف» و«سهلين للإدارة».

وهنا يبرز نقد المؤلف لما يسميه تسليع التعليم، حيث تتحول المعرفة إلى سلعة، والمتعلم إلى مورد بشري، والمدرسة إلى مؤسسة إنتاج.

  1. المنهجية النقدية: كيف يقرأ البيلاوي السياسات؟
    من الناحية المنهجية، يعتمد البيلاوي مقاربة تحليلية تجمع بين التحليل الفلسفي للمفاهيم ، القراءة النقدية للوثائق الرسمية ، والربط بين الخطاب والممارسة..
    وهو لا يتعامل مع السياسات بوصفها نصوصًا بريئة، بل بوصفها خطابات محملة بالسلطة، تستبطن تصورات محددة عن الإنسان والمجتمع والدولة.
    هذه المنهجية تمنح الكتاب قوة تفسيرية عالية، وتجعله يتجاوز الوصف إلى التفكيك، ومن التفكيك إلى المساءلة.
  2. مأزق الإصلاح من أعلى..
    يخلص الدكتور البيلاوي إلى أن السياسات التعليمية التي تُفرض من أعلى، مهما بلغت درجة «علميتها»، تظل محكومة بالفشل ما دامت لا تنبع من: مشاركة مجتمعية حقيقية،او
    رؤية تربوية نقدية..وبلا إرادة سياسية تعترف بدور التعليم في التغيير..
    ومن هنا، يصبح الإصلاح التربوي مشروعًا مؤجلًا، لا بسبب نقص الخبراء، بل بسبب هيمنة الأيديولوجيا على منطق القرار.

تشكل هذه الرؤية إضافة نوعية للفكر التربوي العربي، إذ تنجح في فضح العلاقة الملتبسة بين العلم والسياسة في مجال التعليم، دون السقوط في خطاب المؤامرة أو التبسيط الإيديولوجي، وهو ما يعكس نضجًا فكريًا ومنهجيًا واضحًا لدى المؤلف.

*** التربية النقدية وإمكانات التحرر: من تفكيك الأيديولوجيا إلى استعادة الفعل الإنساني..

إذا كانت الفصول المتقدمة من الكتاب قد اشتغلت على كشف آليات الهيمنة الأيديولوجية في التعليم والمجتمع، فإن الاقسام التالية تمثل الانتقال الواعي من نقد الأيديولوجيا إلى إمكان تجاوزها.
هنا لا يكتفي الدكتور حسن البيلاوي بالتشخيص، بل يطرح مشروعًا تربويًا تحرريًا، يقوم على إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللفاعلية الإنسانية، وللتربية بوصفها فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد.

  1. من التربية كأداة ضبط إلى التربية كفعل تحرر..
    ينطلق البيلاوي من قلب المعادلة التقليدية التي حكمت التعليم طويلًا. فبدلًا من النظر إلى التربية باعتبارها وسيلة لإنتاج الامتثال والاستقرار، يعيد تعريفها بوصفها فضاءً لتكوين الوعي الحر. التربية النقدية، في هذا السياق، ليست منهجًا دراسيًا ولا مقررًا إضافيًا، بل هي منطق شامل يحكم علاقة المتعلم بالمعرفة، وبالسلطة، وبذاته.

ويؤكد المؤلف أن التحرر التربوي لا يعني الفوضى، بل يعني:
تحويل المتعلم من متلقٍ سلبي إلى فاعل معرفي..
استبدال الطاعة العمياء بالمساءلة الواعية..
إحلال الفهم محل الحفظ، والحوار محل التلقين..

  1. الوعي النقدي بوصفه شرطًا للمواطنة..
    يربط البيلاوي بين التربية النقدية وبناء المواطنة الحقيقية، رافضًا اختزال المواطنة في شعارات الانتماء أو الامتثال للنظام. فالمواطن، في تصوره، هو من يمتلك القدرة على:
    فهم الواقع لا تبريره ، نقد السلطة دون السقوط في العدمية ،
    والمشاركة في الشأن العام بوصفه حقًا ومسؤولية..
    ومن هنا، تصبح التربية النقدية شرطًا أساسيًا لأي ديمقراطية حقيقية، لا مجرد مكمّل ثقافي لها.
  2. استعادة العقل: نقد الأداتية والعقل التقني..
    يوليالدكتور حسن البيلاوي اهتمامًا خاصًا بنقد ما يسميه اختزال العقل في وظيفته الأداتية. فالعقل، حين يُختزل في الكفاءة والإنتاجية والمواءمة مع السوق، يفقد جوهره الإنساني. ويستعيد المؤلف هنا تقاليد فلسفية نقدية ترى في العقل أداة للتحرر، لا مجرد وسيلة للضبط.

التربية النقدية، في هذا الإطار، هي محاولة لاستعادة:
البعد القيمي للمعرفة ،المعنى الإنساني للتعلم ، والعلاقة العضوية بين التفكير والأخلاق..

  1. حدود الممكن: واقعية نقدية لا طوباوية..
    ما يميز طرح البيلاوي في هذا الكتاب أنه لا يسقط في الطوباوية. فهو يدرك أن التربية وحدها لا تغير المجتمع، وأنها تعمل داخل بنى سياسية واقتصادية ضاغطة. لكنه في الوقت ذاته يرفض الاستسلام لمنطق «اللا جدوى».
    ويطرح تصورًا واقعيًا للتغيير التربوي بوصفه:
    مسارًا تراكميًا طويل النفس .. يبدأ بتغيير الوعي المهني للمعلم..ويمر بإعادة بناء الثقافة المؤسسية..وينتهي بإعادة تعريف علاقة التعليم بالمجتمع..
  2. التربية النقدية كمشروع أخلاقي..
    في أعمق مستويات هذا الكتاب ، تتجلى رؤية البيلاوي للتربية بوصفها مشروعًا أخلاقيًا قبل أن تكون سياسة عامة. فالدفاع عن العقل، وعن الحرية، وعن كرامة الإنسان، ليس ترفًا فكريًا، بل هو جوهر الفعل التربوي ذاته.
    وهنا، يلتقي نقد الأيديولوجيا مع الدفاع عن الإنسان، لا بوصفه موضوعًا للسياسات، بل بوصفه غاية كل مشروع معرفي.

وتمثل هذه الفصول الختامية الروح الحقيقية للكتاب، والسبب العميق لكتابته. فهو لا يكتفي بأن يقول لنا «ما الذي يحدث»، بل يجرؤ على أن يسأل: ما الذي ينبغي أن يكون؟، دون ادعاء امتلاك إجابات جاهزة، ودون مساومة على قيمة العقل والحرية
ختاما..
*** موقع الكتاب وإسهاماته في الفكر التربوي العربي والعالمي..

إن كتاب الدكتور حسن البيلاوي «نقد الأيديولوجيا» ليس مجرد إضافة إلى المكتبة التربوية العربية، بل قفزة نوعية في نقد العقل التربوي السائد. فهو يجمع بين تحليل بنيوي عميق للمؤسسات التعليمية وبين نقد فلسفي للأيديولوجيا التي تحكم السياسة التعليمية، مستعيدًا الدور الأخلاقي والفكري للتربية بوصفها مشروعًا للتحرر لا مجرد أداة لإعادة إنتاج السلطة.

من موقع الصديق والمشتغل بالبحث ذاته، أرى أن قوة الكتاب تكمن في أنه يتجاوز التشخيص إلى طرح بدائل معرفية منهجية، ويعيد طرح السؤال المركزي: هل نريد تعليمًا يُكسب الفرد القدرة على التفكير النقدي والتحرر الذاتي، أم تعليمًا يُنتج امتثالًا وتقليدًا للهيمنة الاجتماعية؟ هذه المسألة، التي يبدو أنها فلسفية في ظاهرها، لها أبعاد عملية مباشرة على السياسات التعليمية في مصر والعالم العربي.

يتميز الكتاب أيضًا بقدرته على ربط القضايا المحلية بالفكر التربوي العالمي، فالمؤلف لا يكتب في فقاعة عربية، بل يضع تجربتنا ضمن الحوارات العالمية حول التربية النقدية، ونقد الأيديولوجيا، والحرية التعليمية، مستعيدًا مساهمات المفكرين الكبار مثل باولو فريري، وبول فريدمان، وجزء من تيارات التربية النقدية المعاصرة. وبهذا يصبح البيلاوي مفكرًا تربويًا عالميًا، وليس محليًا فحسب، لأنه يقرأ التحديات العربية من منظور نقدي فلسفي يوازي التجارب الكبرى في الحقل الدولي.

من منظور النقد العلمي، تُظهر هذه المراجعة أن الكتاب يقدم إسهامًا أصيلًا ومتميزًا:

  • في نقد العلاقة بين السلطة والتعليم،
  • وفي تحليل السياسات التعليمية من منظور أيديولوجي،
  • وفي تقديم نموذج للتربية النقدية التي تتجاوز مجرد الإصلاح الشكلاني للمناهج.

إن ما يجعل الكتاب متفردًا هو الجرأة الفكرية للبيلاوي، وعمق تحليله، وشجاعته في طرح الأسئلة الكبرى، دون السقوط في الانحياز السياسي أو الطوباوية الفكرية. فالكتاب، في صورته النهائية، ليس نقدًا للواقع التربوي فحسب، بل مشروعًا معرفيًا وفلسفيًا لبناء عقل نقدي وفعل تربوي حر.

وأخيرًا، أرى أن هذا الكتاب لا يكتسب أهميته فقط من محتواه، بل من موقع مؤلفه كصديق حميم ومفكر تربوي موثوق، فقد جمع بين التجربة الشخصية الطويلة في العمل التربوي وبين البحث الأكاديمي النقدي العميق، ما يجعل هذا العمل مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى فهم التحديات المعاصرة للتربية، في مصر وفي العالم العربي، وفي سياق الحوارات العالمية حول التعليم والتنوير والحرية الفكرية.

Related posts
عامةفلسفة

كيف تمرَّد الماء على الأنهار والسُّدود!

الفلسفة بصيغة المؤنثترجمةعامة

كلود دوبار: أزمة الهويات: تفسير تحوّل

تربية وتعليمفلسفة

محمد جديدي: هل غدت ثقافة القرن 21 من دون معنى؟

عامةفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: صدمات الحياة والرياضة

Sign up for our Newsletter and
stay informed