الأستاذ محمد جديدي Mohamed Djedidi
في ظل رأسمالية متوحشة عمدت إلى تسليع كل شيء بما في ذلك الثقافة، التي حولتها إلى سلوك استهلاكي منمط ورتيب وإن تجدد مظهره، فهو لا يخرج عن مجال التسلية والترفيه إلى حد التتفيه، وحيث عمت الرداءة وغلب التسطيح والتكرار واللاجدوى من نشاط مجتر لا يحيد عن المناسباتي والدواعي الإدراية في صرف ما تبقى من ميزانية والاكتفاء بما يطفو من صور على منصات ومواقع ووسائل التواصل الاجتماعي من دون أن يكون لذلك النشاط أثر فعال على الإنسان والمجتمع. فهل غدت الثقافة خلو من المعنى إن لم تعد منتجة للامعنى على حد وصف أحد السوسيولوجيين التونسيين؟
الثقافة في مقابل الطبيعة، هكذا جرت العادة على ترسيخ هذا التقابل، الذي نقف فيه على كل تدخل إنساني من خلال كل نشاط ثقافي وإبداعي لتحويل الطبيعي، بخلاف الطبيعة التي تتجلى بتلقائيتها وعفويتها من دون جهد بشري يخضعها لحاجته. الثقافة إذن هي التي منحت الإنسان معنى وجعلت لوجوده جدوى حتى وإن أغضب هذا الرأي المنافحين عن الطبيعة والداعين إلى الانسجام معها والاحتكاك السلمي بها بغية إنتاج الجميل عبر المحاكاة والتقليد، ذلك أن الإنسان مهما ارتقى فإنه في عرف بعض هؤلاء، المناصرين للطبيعيين من الماديين والرومانسيين وكل من سار على مذهبهم لن يبدع أجمل وأفضل وأرقى مما أبدعته الطبيعة سواء باعتراف خالق لها أو من دونه.
الثقافة هي عدّة الإنسان في تأثيث الحياة وإضفاء المعنى على الوجود. فهل غدت الثقافة خاوية من كل معنى في الربع الأول من القرن الحالي؟
هذا هو السؤال الذي طرحه جان ماري بوتييه Jean-Marie Pottierضمن مقال له نشر بمجلة العلوم الإنسانية لهذا الشهر. يبدأ صاحب المقال حديثه بملاحظة مستمدة من تجربة ذاتية ذلك أنه يقول: “أثناء تغيير إقامتي مؤخراً، عثرت في أعماق خزانة على نسخة بالية من مجلة Les Inrockuptibles تعود إلى عام 1999. كان عنوان المجلة” ذكريات الربع الأخير من القرن“. كانت من أوائل المجلات التي اشتريتها، ومن النادرة التي احتفظت بها: كانت تحتوي على مجموعة مختارة من أفضل الأفلام والأسطوانات والكتب… في الربع الأخير من القرن العشرين. كانت مصدرًا لا ينضب من الاكتشافات المثيرة للمراهق الذي كنت عليه آنذاك.” وفي ظل انعدام ثقافة أصيلة ينكفئ المرء على ما اعتقد أنه ثقافة أجل وأرقى عبر الحنين الذي يشدّه إلى مثال سابق يحيا على نمطه ويديمه في الزمن.
ما يثير الانتباه ضمن هذا الطرح أن الثقافة فقدت روحها الأصيلة وبعيدا عن مسألة المجايلة والحكم الجاهز بأننا فيما سبق كنا أفضل، بما في ذلك ثقافيا، فإن الثقافة ومنذ أن احتكت وارتبطت بالتقنية انسلخت عن مضمونها الراقي والقيّم، الذي كانت على عهدها به قبل أن تتلبس ثوب التكنولوجيا وتصبح “منجزاتها” في كل ما يعرض ويقدم لا يشبع حاجة الإنسان الثقافية، وكأننا أمام ما اصطلح عليه فالتر بنيامين بالفن في عصر المكننة أو فقدان الفن لأهم عنصر بشري فيه. ليس هذا على ما يبدو هو ما يزعج الكاتب فقط في ثقافة الراهن ولا يجب أن تتخذ التقنية كبش فداء لضحالة الثقافة المستندة إلى الشكل أكثر من المحتوى.
الأخطر من ذلك أن كل ما يقدم باسم الثقافة وحتى على مستوى عالمي أميل إلى التراكم والاجترار الذي تمّ تعميمه باسم التجارة والربح تارة وباسم العولمة تارة أخرى وباسم الحرية (حرية التعبير والتجريب) وأسماء وشعارات أخرى أفسدت الثقافة والذائقة وردت الكائن البشري إلى حالة طبيعية (بيولوجية) منزوعة الثقافة.
فلا الفلسفة ولا الفن ولا الأدب ولا الشعر بات يبهر ويذهل كما كان مع فطاحل الشعراء وعمالقة الأدباء والروائيين وكبار الرسامين والنحاتين وجهابذة الفكر والفلسفة؛ بل إن نماذج هؤلاء صاروا مراجع كلاسيكية كل في فنه ومجاله الثقافي، دون أن يتكرروا أو يعوضوا بنماذج جديدة. وهكذا صرنا نعيش ثقافيا على وقع ماضي جميل انقضى في البحث عن الزمن السعيد المفقود بتعبير أوسكار وايلد، ولا أمل في عودته أو استعادته مع تجارب وإبداعات جديدة في مقدورها أن تكون بديلا ثقافيا مقنعا. فهل نحن إزاء أزمة الثقافة كما عبرت عنها حنا آرنت، أزمة تختصرها ثقافة جديدة تصلح الفاسد من الحالية أم نحن بإزاء بحث عن مستقبل للثقافة كما ناقش ذلك عميد الأدب العربي طه حسين وهو يتحسس معالم الثقافة القادمة في مصر، وهو نموذج يمكن أن ينسحب على مناطق أخرى وإن بدرجات.
يستند صاحب المقال إلى الكاتب الأمريكي ديفيد و. ماركسDavid W. Marx والذي بحسبه فإن ثقافة الربع الأول من القرن الحادي والعشرين تنتشر في فضاء فارغ حيث التراكم للمحتوى لا ينتج معنى.
بالنسبة لماركس (وهو يستند في تحليله إلى أعمال ماركسيين جدد مثل تيودور أدورنو وفريدريك جيمسون)، فإن ثقافة القرن الحادي والعشرين لم تعد لها قيمة. وهذا لا يعني ذلك أن الأعمال الفردية لا قيمة لها: فهو يجد دائماً كتباً وأسطوانات وأفلاماً جيدة، بل جيدة جداً وممتازة. إنما فشلها وعدم قيمتها، أنها لا تقدم أي توجه (وكأنها لم تعد بوصلة)، ويبدو أن مفاهيم الإبداع والتمرد والثقافة المضادة والثقافة الفرعية تفقد أهميتها. يقول متحسرا فيما سبق ”حيث كان المجتمع يشجع ويقدم في الماضي وفرة من الإبداعات الثقافية“، و”حيث كان الفن والإبداع يزدهران“، نجد اليوم ”فراغًا“، وفق تحذيره.
لم يكن ديفيد ماركس أول من عبّر عن هذا الضجر الثقافي، الذي ينتابنا أحيانًا في وقتٍ، ومن المفارقات، لم يسبق له مثيل في وفرة المحتوى الثقافي المتاح للجمهور. يتردد صدى تحليله مع أمراض أخرى تم تشخّصيها في السنوات الأخيرة، مثل “هوس العودة إلى الماضي” (التأثير المفرط للأعمال الفنية القديمة التي باتت متاحة على نطاق واسع على المشهد الثقافي)، والتي درسها الناقد البريطاني سيمون رينولدز، أو، على غرار ذلك، “الخلود” (الحنين إلى الماضي ورفض الفناء اللذين يُهيمنان على الثقافة المعاصرة)، والتي حددها الباحث الأمريكي غرافتون تانر. كما يُثير هذا التحليل تساؤلًا حول حقيقة “الذيل الطويل” الذي وُعد به في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، أي فكرة أنه مع ظهور الإنترنت، سيُعاد ترسيخ توازن القوى بين الأعمال المتخصصة والأعمال الضخمة.
تكمن قيمة كتاب “الفراغ”، بالإضافة إلى جمعه لهذه الخيوط المتفرقة في حجة واحدة، في تسليط الضوء على البُعد السياسي لهذا القلق: فهذه الأزمة الثقافية هي أيضاً، وربما في المقام الأول، أزمة ثقافة مضادة، والتي بدورها ولّدت مناهضة مزدهرة للثقافة المضادة.
لذا، ليس من المستغرب أن نرى الشخصية نفسها تظهر بشكل دوري في صفحات هذا الكتاب، متعاقبةً كقدوة للمشاهير الطموحين، ونجمة تلفزيون الواقع، ورئيس الولايات المتحدة: دونالد ترامب، بالطبع. ترامب الذي أصبح الآن، من اقتحامه مبنى الكابيتول إلى المؤتمر الجمهوري الغريب في صيف 2024، بمثابة بابا لمناهضة ثقافة مضادة اندفعت إلى هذا “الفراغ” الذي نسبح فيه.
فهل حقيقة لم يعد للثقافة معنى؟ لا سيما مع تداخلها مع السياسي الذي أفرغها من كل محتوى جاد وإنساني، وجعلها مظهرا استهلاكيا هزيلا لا يرقى ليقابل الطبيعي كما بدأ التمييز أولا بين الثقافي والطبيعي.
