
اعداد وترجمة: حسن الصعيب
مقدمة كتاب: ماركس الأخير
الحلقة الأولى
على إثر تفجر الأزمة الأخيرة للرأسمالية في 2008، راج كارل ماركس مجددا، فعلى نقيض التوقعات التي قالت عقب سقوط جدار برلين إن النسيان سيطويه، رجعت أفكار ماركس مرة أخرى موضوعا للتحليل والتطوير والمناقشة، وبدأ كثير في طرح أسئلة جديدة حول مفكر تم تصنيفه زورا في أحيان كثيرة كملهم ل” الاشتراكية المتعلقة بالفعل”، ثم نحي جانبا بعد 1989.
وصفت صحف ودوريات مرموقة، ولها جمهور عريض من القراء، ماركس بأنه منظر جد معاصر وبعيد النظر. وقد صار الآن، تقريبا في كل مكان، موضوعا رائعا في الدراسات الجامعية والمؤتمرات الدولية. وعادت أعماله التي أعيد طبعها أو ظهرت في طبعات جديدة، إلى الظهور من جديد على رفوف المكتبات. وبعد عشرين عاما أو أكثر من الإهمال، حققت دراسة أعماله زخما جديدا ومتزايدا، منتجة في بعض الأحيان أبحاثا مهمة ورائدة.
وقد كان لمواصلة نشر:الأعمال التاريخية- النقدية الكاملة لماركس وإنجلز” ( MEGA) في 1998 قيمة خاصة في مجال إجراء إعادة تقييم شاملة لإنجاز ماركس. ظهر حتى الآن ستة وعشرون مجلدا، وهناك مجلدات أخرى في طور الإعداد. تحتوي هذه المجلدات على نسخ جديدة من بعض أعماله( مثل ” الايديولوجية الألمانية”)، وكل مخطوطات التحضيرية ل” رأس المال”، والرسائل التي أرسلها ( وكذلك مختارات من الرسائل التي تلقاها) خلال مراحل هامة في حياته، وحوالي مائتين دفتر ملاحظات تضم مقتطفات من الأعمال التي كان يقرأها والاختبارات التي كان يدونها حول تلك القراءات . وتعد هذه الأخيرة بمثابة الورشة التي طور فيها نظريته النقدية، كما أنها تبين لنا خط السير المعقد لإنتاج أفكاره، والمصادر التي اعتمد عليها في تطويرها.
تقدم لنا هذه المادة التي لا تقدر بثمن ، وغير المتاح أغلبها إلا باللغة الألمانية، مما يحصر الاطلاع عليها داخل دوائر محدودة من الباحثين، كاتبا مختلفا تماما عن ذلك الذي قدمه لنا عدد كبير من ناقديه، وكذلك عن ذلك الذي قدمه لنا كثير من أنصاره المزعومين لوقت طويل. الحقيقة أن ما تنطوي عليه تلك الأعمال الكاملة من نصوص جديدة، يتيح لنا أن نقول إن من بين كلاسيكيات الفكر السياسي والفلسفي، كان كارل ماركس هو الشخص الذي تغيرت صورته أكثر من غيره في السنوات الأخيرة. لقد ساعدت معطيات المشهد السياسي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي على تحرير ماركس من دور رمز جهاز الدولة السوفياتية الذي نسبوه له هناك
يشير تقدم البحث، جنبا إلى جنب مع الظروف السياسية المتغيرة، إلى أن التجديد في تأويل أفكار ماركس ظاهرة مقدر لها الاستمرار. والاحتمال الأكبر أن جز ءا أكبر من هذا الاهتمام سيركز على المرحلة الأخيرة من إنتاجه النظري ، أي على “ماركس الأخير”. الدراسة الحالية، أيضا، وهي معدة ك”سيرة فكرية” لماركس، سوف يتبعها ويكملها بحث حصري شامل لفكره.ينهي تحليل المخطوطات التي كتبها ماركس في السنوات الأخيرة من حياته كلية الأسطورة التي تقول إنه فقد فضوله الفكري وتوقف عن العمل في تلك السنوات. فالحق أنه لم يقتصر في تلك المرحلة فقط على مواصلة بحثه، بل توسع به إلى مجالات معرفية جديدة.
قام ماركس خلال عامي 1881 و 1882 بدراسة معمقة للاكتشافات الأخيرة في الأنثروبولوجيا، فيما يتعلق بالأشكال المشاعية للملكية في المجتمعات ما قبل ال أ رسمالية، والتي أعقبت إلغاء القنانة في روسيا، وميلاد الدولة الحديثة. كما أنه تابع عن قرب الأحداث الرئيسية في السياسة العالمية، كما يمكن أن نرى من خلال خطاباته التي عبر فيها عن دعمه الحاسم للنضال الإيرلندي التحرري، ومعارضته الثابتة للاضطهاد الاستعماري في الهند ومصر والجزائر. يمكنك أن تقول عن ماركس ما شئت، عدا أنه ذو نزعة مركزية-أوروبية أو ميول اقتصادوية، أو أن تركيزه كان منصبا على الصراع الطبقي فقط.
اعتقد ماركس أن دراسة صراعات سياسية جديدة وموضوعات ومناطق جغرافية جديدة أمرا جوهريا لنقده
المستمر للنظام الرأسمالي. فقد مكنه ذلك من الانفتاح على خصوصية البلدان المختلفة، ومن التفكير في إمكانية وجود مقاربة للاشتراكية تختلف عن تلك التي طورها من قبل.
وأخيرا، فإن “ماركس الأخير” هو الأكثر حميمية: فهو لم يخف هشاشته في الحياة بل استمر يناضل، لم يتجنب الشك
بل واجهه بوضوح، اوختار أن يغوص أكثر في البحث بدلا من الركون إلى اليقين الذاتي والمدائح غير النقدية من “الماركسيين” الأوائل. هذا ال”ماركس” شديد الندرة، هدام بشكل جذري، متكاثر،مغاير كليا لصورة أبي الهول القرن العشرين الجرانيتية التي تشير إلى المستقبل بيقين دوجمائي. إنه يشيرإلى نوع جديد من الباحثين والنشطاء السياسيين، الذين يتبنون ويواصلون النضال الذي كرس، هو ومثله كثيرون من قبل ومن بعد، كل وجوده من أجله.
*-مارسيلو موستو (مواليد 14 نيسان 1976) أستاذ علم الاجتماع بجامعة يورك في كندا. معروف عالميا بإحياء تراث ماركس خلال العقد الماضي. له أربعة كتب رئيسية، وأحد عشر مجلداً محرراً، وأكثر من 40بحثا او فصلا في المجلات والكتب. تُرجمت اعماله إلى خمس وعشرين لغة، في جميع أنحاء العالم
مدخل:” النضال“
الحلقة الثانية
في غشت 1880 كان جون سوينتون(1829-1901)، وهو صحفي أمريكي واسع التأثير وذو رؤى تقدمية، في رحلة إلى أوروبا. وقد قام أثناء تواجده هناك بزيارة إلى مدينة رامسيجيت، وهي مدينة ساحلية صغيرة في مقاطعة كنت تقع على بعد كيلومترات قليلة من أقصى جنوب شرق إنجلترا. كان الهدف من الرحلة هو إجراء مقابلة صحفية لصالح جريدة الصن- التي كان يرأس تحريرها، والتي كانت آنذاك من بين الأكثر انتشار بين القراء في الولايات المتحدة الأمريكية- مع الرجل الذي كان قد أصبح أحد الممثلين الرئيسية للحركة العمالية الدولية: كارل ماركس.
ورغم أن ماركس كان ألمانيا بالميلاد، إلا أنه أصبح بلا جنسية بعد أن طردته حكومات فرنسا وبلجيكا وبروسيا أثناء وحدها الحركات الثورية التي ظهرت في بلدانها بين عامي 1848- 1849. وعندما قدم طلبا للحصول على الجنسية في بريطانيا سنة 1874، رفض طلبه لأن تقريرا من جهاز سكوتلاند يارد وصفه ك” محرض ألماني سيئ السمعة ومناصر للمبادئ الشيوعية…لا يتسم بالولاء لملكه أو حكومته”.
كان ماركس مراسلا لجريدة نيويورك تريليون على مدى أكثر من عقد من الزمان. وفي عام 1867 نشر نقدا تأسيسيا لنمط الإنتاج الرأسمالي تحت عنوان” رأس المال”. ولمدة ثماني سنوات ، بداية من 1864، كان الشخصية القيادية في “رابطة العمال الدولية”. وفي عام 1871 ظهر اسمه على صفحات أكثر الصحف الأوروبية انتشارا، وذلك بسبب دفاعه عن كمونة باريس في كتاب” الحرب الأهلية في فرنسا” ، وهو الأمر الذي دعا الصحافة الرجعية إلى تعميده اسم ” دكتور الإرهاب الأحمر”.
في صيف 1880 كان ماركس مع عائلته في رامسجيت مأمورا من الطبيب ب” عدم القيام بأي عمل أيا كان نوعه” وذلك “لإنعاش جهازه العصبي المتداعي”. كانت صحة زوجته جيني أكثر سوءا من صحته، إذ كانت جيني فون وستفالين تعاني من السرطان، وقد تدهورت حالتها فجأة إلى درجة تهدد باقتراب نهاية مفجعة. كان هذا الوضع الذي تعرف فيه سوينتون- رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز طوال ستينيات القرن التاسع عشر- على ماركس ورسم له صورة متعاطفه ومكثفة ومتقنة.
وصف سوينتون ماركس على المستوى الشخصي هكذا: “رجل في ستيناته، ذو رأس ضخمة، كريم، ودود، ، له كتل من الشعر الرمادي الكثيف والطويل، يعرف بشكل لا يقل اكتمالا عن فيكتور هيغواين فن أن تكون جدا لأحفاد”. أما عن حديثه، الـ”حر جدا، والمكتسح بقوة، والمبدع للغاية، والقاطع تماما، والصادق إلى أبعد مدى”، وقد لاحظ سوينتون أيضا أن ماركس ” رجلا ليست لديه ميول استعراضية أو رغبة في الشهرة ، وخال تماما من الاهتمام بالمظاهر وعلامات النفوذ”. على أن هذا لم يكن ماركس الذي سيصفه سوينتون لقرائه، فالحوار الذي نشر في الصفحة الأولى من جريدة الصن في 6 شتنبر 1880، قدم ، بصفة رئيسية، الوجه العام- وليس الشخصي- لماركس:” واحد من أكثر الأشخاص الذين يجذبون الانتباه اليوم . لعب دورا غامضا، ولكنه واسع الأثر، في السياسة الثورية خلال الأربعين عاما الماضية”.
. كتب سوينتون عن ماركس: “ليس متعجلا وليس خاملا؛ رجل ذو عقل نشط و رحب ورفيع المستوى، جعبته ممتلئة بالمشاريع طويلة المدى والمناهج المنطقية و الأهداف العملية؛ لقد وقف ولا زال خلف أغلب الزالزل التي رجت أمما ودمرت عرو شا، و هو الآن يهدد ويرعب رؤوسا متوجة ومحتالين ذوي نفوذ أكثر من أي إنسان آخر في أور وبا”
. أقنع النقاش مع ماركس الصحفي القادم من نيويورك أنه أمام رجل “متعمق في الواقع الراهن” ويده الممتدة “من نهر النيفا إلى نهر السين، و من جبال األورال إلى جبال البرانس”، تمهد الطريق لمجيء العصر الجديد. لقد انبهر الصحفي بماركس بسبب قدرته على “استعراض ا لعالم األوروبي بلدا بعد الآخر، مشيرا إلى الخصائص والتطورات والشخصيات فوق السطح أو تحته”.
ثم واصل ماركس الحديث عن: “القو ى السياسية والحركات الشعبية في مختلف بلدان أوروبا: التدفق الواسع لروح روسيا، و حركات العقل الألماني، و النشاط الفرنسي، و الجمود الإنجليزي. وتحدث بأمل عن روسيا، وبتفلسف حول ألمانيا، وبابتهاج عن فرنسا، وبشكل مغموم عن إنجلترا، مشيرا بازدراء إلى الإصلاحات شديدة التفاهة التي يبدد فيها ليبراليو البرلمان البريطاني وقتهم”.
تفاجأ سوينتون أيضا بمعرفة ماركس بالولايات المتحدة. كان مراقبا يقظا و”ملاحظاته حول بعض القو ى التكوينية والتأسيسية في الحياة الأمريكية منشطة للذهن جدا”. انقضى اليوم في سلسلة من المناقشات المفعمة بالحيوية. و بعد الظهر اقترح ماركس السير بمحاذاة البحر إلى الشاطئ ليقابل أسرته، التي وصفها سوينتون، بأنها “جمع مبهج- حوالي عشرة أشخاص”. وعند حلو ل المساء استمر صهرا ماركس، تشالرز لونج ( 1839- 1903) وبول لافارج ( 1842- 1911)، في رفقتهما. ودار الحديث حول “العالم والإنسان والعصر الحاضر والأفكار، بينما رنين الكؤوس يقرع على الشاطئ”.
في لحظة كتلك، غامر الصحفي الأمريكي، بينما كان “التفكير في هذيان ودمار العصر الحاضر يدور في رأسه”، وبينما كان مستغرقا في أعماق “حديث اليوم ومشاهد المساء”، بسؤال الرجل العظيم سؤا لا”يمس القانون النهائي للوجود”. وقتها، وبعد دقيقة من الصمت، قام الصحفي “باستجواب الثوري والفيلسوف في مسألة مصيرية: ما هو “قانون الوجود”؟” شعر سوينتون أن عقل ماركس قد ” راغ لوهلة بينما راح ينظر إلى البحر الصاخب أمامه والهدير الهائج للمياه على الشاطئ”. أوأخيرا أجاب في نبرة عميقة ومهيبة “النضال!”.
ظن سوينتون في البداية أنه يسمع في تلك الإجابة “صدى اليأس”. ولكنه وافق فيما بعد: “النضال فعلا هو قانون الحياة الذي حاولت البشرية دائما أن تفهمه”.
الفصل الأول أعباء الحياة وآفاق بحثية جديدة .
1 الغرفة في طريق ميتالند بارك
بعد شهور قليلة من لقاء سوينتون، وفي إحدى أمسيات يناير ،1881 جلس رجل ذو لحية تقترب من البياض الكامل في غرفته في شمال لندن يقرأ في كوم من الكتب ويدون بعناية الفقرات الأكثر أهمية. بدأب يشبه دأب العامل في دوامه اليومي، كان يواصل القيام بمهمته في الحياة: أن يوفر للحركة العمالية الأسس النظرية اللازمة للقضاء على نمط الإنتاج الرأسمالي.
كانت عقود من العمل اليومي الشاق في القراءة والكتابة قد تركت بصماتها على جسد الرجل. فعلى ظهره وفي أماكن أخرى من جسده، تركت الدمامل المروعة التي تكونت خلال السنوات التي عمل فيها على كتابة ” رأس المال” ندوبا أخرى لم تمح. أما روحه ، فقد اتخذتها جروحا أخرى بسبب حياة تكتنفها المصاعب ويملؤها الشقاء، ويلطفها من آن لآخر الرضا الذي تسببه الضربات التي كان يوجهها إلى رموز الطبقة الحاكمة وإلى خصومه السياسيين داخل المعسكر نفسه.
كان جسده ضعيفا وواهنا في الشتاء، حيث قلص التقدم في العمر طاقته المعتادة، وكان منطقيا أن تشعر زوجته بالقلق المتزايد على صحته. لكنه ظل هو نفسه. فبالحماس نفسه الذي كان عليه دائم يبذل أقصى ما لديه من طاقة من أجل قضية تحرر الطبقة العاملة؛ استمر يبذل هذا الجهد و بالطريقة نفسها التي تبناها منذ أيامه الأولى في الجامعة: بصر امة شديدة دون أدنى تهاون.
يقوم بعمله على مدى سنوات طيلة النهار وإلى وقت متأخر من الليل، جالسا على كرسي خشبي أمام طاولة متواضعة لا تزيد مساحتها عن ثلاثة أقدام في قدمين. تكاد الطاولة تضيق بما عليها: مصباح مظلل بالأخضر، وأوراق الكتابة، وحفنة من الكتب كان يعمل عليها وقتها. لم يكن بحاجة إلى شيء آخر.
كانت غرفة مكتبه في الطابق الأول، ولها نافذة تطل على الحديقة. اختفت رائحة التبغ بعد أن منعه الأطباء من التدخين، لكن الغاليين المصنوعة من الصلصال التي استخدمها في التدخين لسنوات عديدة ظلت موجودة لتذكره بالليالي التي قضاها دون نوم وهو يفكك كلاسيكيات الاقتصاد السياسي.
وعلى صف يصعب اختراقه من الرفوف التي تحجب الحائط، تقبع كمية من الكتب والجرائد أكثر مما يمكن تصوره. لم تكن مكتبته مهيبة كمكتبات المثقفين البرجوازيين في نفس مكانته – تحديدا الأكثر ثراء. في أشد سنوات ماركس فقرا كان اعتماده في الأغلب على المراجع التي يطالعها في قاعة القراءة ، بالمتحف البريطاني. ولكنه فيما بعد استطاع أن يجمع ما يقرب من ألفي مجلد، أغلبها عن الاقتصاد السياسي، ولكن هناك أيضا كثير من الأعمال الكالسيكية في النظرية السياسة، ودراسات تاريخية (خاصة باللغة الفرنسية) وأعمال فلسفية تعود بصفة رئيسية إلى التراث الفلسفي الألماني، كما احتلت العلوم الطبيعية أيضا مساحة جيدة في مكتبته. هذا وقد جارى تنوع اللغات التنوع في الفروع العلمية. ّكتب بالألمانية رصت بطريقة فظة تعادل تقريبا ثلث المكتبة، والإنجليزية حوالي الربع، مع عدد أقل قليلا من الكتابات الفرنسية، وكانت هناك أيضا أعمال بلغات رومانتيكية أخرى مثل الإيطالية. لكن بدء من 1869 عندما بدأ تعلم اللغة الروسية ليدرس التغيرات التي حدثت في الإمبراطورية القيصرية، احتلت الكتب بالابجدية السيريلية مساحة معتبرة لنفسها. إلا أن الرفوف لم تكن قاصرة على الكتابات الأكاديمية فقط. فقد وصف مراسل مجهول الإسم لجريدة شيكاجو تريبيون، زار غرفة مكتب ماركس في عام ،1878 محتوياتها على النحو اآلتي: يمكن الحكم بوجه عام على الإنسان من خلال الكتب التي يقرأها، وباستطاعتك الوصول إلى استنتاج يخصك عندما أخبرك أن إطلالة سريعة كشفت عن وجود شكسبير، ديكنز، ثاكري، موليير، راسين، مونتان، بيكون، جوته، فولتير، بين؛ وكذلك كتب إنجليزية، وأمريكية، وفرنسية، وكتب زرقاء (تقارير إنجليزية رسمية مدونة بالأزرق-المترجم)، وأعمال سياسية وفلسفية بالروسية والألمانية والإسبانية والإيطالية، إلخ.
أعطى بول لافارج تقديرا مماثلا بخصوص الاهتمامات الأدبية والمعرفة واسعة النطاق لدى ماركس. متذكرا غرفة مكتبه – التي قال عنها “يجب على المر ء أن يتعرف على تلك الحجرة التاريخية حتى يكون في إمكانه النفاذ إلى الشق الحميمي للحياة الروحية لماركس”- كتب لافارج: يعرف ماركس هاينه وجوته عن ظهر قلب، وكثيرا ما استخدم مقتطفات من أعمالهما في نقاشاته، كان قارئا نهما للشعراء بكل اللغات الأوربية. يقرأ كل عام أعمال اسخيلوس في أصلها اليوناني. كان يرى أنه هو وشكسبير أعظم عباقرة كتاب الدراما الذين أنجبتهم البشرية… ويعد دانتي وروبرت برنز من ضمن شعرائه المفضلين. كما كان قارئا عظيما للأدب الروائي، مفضلا أعمال الروائيين من القرن الثامن عشر، خصوصا توم جونز لفليدنج. أما الروائيون الأكثر معاصرة الذين وجدهم جد مهمين فكانوا بول دي كوك، وتشارلز ليفر، والكسندر دوما الأب، وولتر سكوت، الذي اعتبر ماركس عمله “موت قديم” ( Old Mortality )تحفة فنية. كان لديه تفضيل أكيد لقصص المغامرات و الفكاهة. صنف ماركس أعمال بلزاك وسيرفانتس في مستوى يفوق كل الروائيين الآخرين. ورأى في “دون كيشوت” ملحمة موت الفروسية التي أصبحت فضائلها موضوعا لسخرية وتهكم العالم البرجوازي الصاعد. كذلك كان معجبا ببلزاك بقوة لدرجة أنه فكر في كتابة مقال عن عمله العظيم “الكوميديا البشرية” ما أن يفرغ من كتابه في الاقتصاد… كان بمقدرة ماركس القراءة بكل اللغات الأوربية… وكان يحب أن يكرر القول إن “اللغة الأجنبية هي سلاح في صراع الحياة”… ووضع علـى عاتقه تعلم اللغة الروسية، وخلال ستة أشهر كان يجيدها بما يكفي لأن يستمتع بقراءة أعمال شعرية وكتابات نثرية لكتاب روس، وكان تفضيله هو أعمال جوجول، وبوشكين، وشيدرين.
-مارسيلو موستو (مواليد 14 نيسان 1976) أستاذ علم الاجتماع بجامعة يورك في كندا. معروف عالميا بإحياء تراث ماركس خلال العقد الماضي. له أربعة كتب رئيسية، وأحد عشر مجلداً محرراً، وأكثر من 40بحثا او فصلا في المجلات والكتب. تُرجمت اعماله إلى خمس وعشرين لغة، في جميع أنحاء العالم.
الحلقة الثالثة
كما تطرق لافارج إلى علاقة ماركس بكتبه، التي: ” لم تكن موضوعات للرفاهية بل أدوات للعقل. لقد اعتاد القول إنهم عبيدي ويجب أن يخدمونني كما أريد. فهو…يثني حواف الصفحات ويضع علامات بالقلم الرصاص في الهامش وخطوط أسفل سطور بأكملها. لم يكتب أبدا على الكتب، إلا أنه أحيانا لم يكن يستطيع منع نفسه من وضع علامة تعجب أو استفهام إذا أحس أن المؤلف يبالغ. كانت طريقته في التخطيط أسفل الأسطر تساعده في العثور على أية فقرة يحتاجها في أي كتاب.
لقد أولي كتبه عناية فائقة إلى حد أنه عرف نفسه ك” آلة محكوم عليها أن تلتهم الكتب التي تقذف بها، في صورة متغيرة، في وجه مزبلة التاريخ”.ضمت مكتبة ماركس أيضا مؤلفاته ، التي لم تكن في النهاية غزيرة كما خطط، حيث ترك الكثير منها غير مكتمل بسبب الانشغال الذهني المكثف. كانت هناك نسخا من ” العائلة المقدسة” (1845)- و” بؤس الفلسفة” (1847) ، وبالقطع نسخا كثيرة من ” بيان الحزب الشيوعي” ( 1848) المكتوب بالمشاركة مع إنجلز والمنشور في وقته المناسب قبيل اندلاع ثورات 1848، ولكن الذي بدأ ينتشر بشكل واسع بدءا من سبعينيات القرن التاسع عشر. اصطفت الكتابات عن تاريخ فرنسا، مثل ” الثامن عشر من برومير- لوي بونابرت” ( 1852)، بجوار نصوص سياسية مثل كتابه ذي الطابع السجالي ” قصة اللورد بالمرستون” ( 1853- 1854)، وكراسته حول موضوعات بعينها مثل” كشوفات بصدد المحاكمة الشيوعية في كولون” (1853) أو ” التاريخ الدبلوماسي السري للقرن الثامن عشر”(1856- 1857)، بالإضافة إلى كتبه المعروفة بدرجة أقل مثل” مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”( 1859) و” السيد فوجت” ( 1860) . ومن بين الأعمال التي كان يفخر بها أكثر من غيرها ، هناك” رأس المال” طبعا، الذي كان قد ترجم وقتها إلى الفرنسية والروسية، وأهم الخطابات والقرارات الخاصة ب” الرابطة الدولية للعمال”.
كذلك، في مكان ما، كانت هناك نسخا ملزمة من الصحف والدوريات التي حررها أو نشر فيها في مرحلة شبابه: ” الحوليات الألمانية الفرنسية” و” الجريدة الرينانية الجديدة”، الصحيفة اليومية التي نشر عددها الأخير كله ، قبيل انتصار الثورة المضادة( مايو 1849) ، بالحبر الأحمر؛ وكذلك نسخا من ” الجريدة الرينانية الجديدة” في إصدارها الشهري، ومن ” المجلة السياسية- الاقتصادية” التي ظهرت في العام التالي(1850).
الحلقة الرابعة
تضمنت هذه الأوراق ما سوف يعرف لاحقا باسم “مخطوطات 1844 الفلسفية والاقتصادية”، والإيديولوجية الألمانية (1845-1846)، وهما عملان من أكثر أعمال ماركس النظرية قراءة وإثارة للحوار في القرن العشرين. إن ماركس الذي “لم ينشر أبدا أي عمل قبل مراجعته عدة مرات حتى يصل به إلى أنسب صيغة”، و”الذي كان يفضل حرق مخطوطاته على تركها غير مكتملة”، كان بالقطع سيفاجأ ويشعر بالأسف عندما يجد أن تلك الأعمال -التي لم تخضع لمراجعته- قد طبعت فعلا.
كانت المخطوطات الأكبر والأكثر أهمية هي تلك المرتبطة بالمسودات التمهيدية لكتاب ” رأس المال”، – ممتدة من “أسس نقد الاقتصاد السياسي”، أو ما يعرف بالجروندريسة (1857-1858)إلى الملاحظات النهائية التي كتبها في 1881 . أما معظم مراسلات ماركس وإنجلز، والتي اصطلح على تسميتها “أرشيف الحزب”، فقد كانت في الواقع محفوظة في منزل إنجلز.
وفي منتصف غرفة مكتب ماركس المكدسة، كانت هناك أريكة جلدية يتمدد فوقها من وقت إلى آخر بغرض الراحة. كانت التمشية في الغرفة أحد طقوسه المعتادة للاسترخاء. ووفقا للافارج: “يمكن للمرء حتى أن يقول إنه كان يعمل وهو يسير في غرفته، ثم يجلس لوهلات قصيرة فقط كي يكتب ما توصل إليه من أفكار أثناء سيره”. ويتذكر لافارج أيضا أن ماركس “كان يحب أن يصعد وينزل الدرج أثناءالتحدث، ويثبت في مكانه بين الحين والآخر عندما يصبح الشرح أكثر حيوية أو الحوار أكثر جدية.” أما أحد الذين كانوا يتصلون به كثيرا في ذلك الحين، فقد قال إنه “كانت لديه العادة عندما يكون مهتما بالنقاش أن يسير جيئة وذهابا بنشاط في الغرفة كأنه شخص يذرع سطح مركب شرا عي بهدف التريض”.
في مواجهة مكتبه انتصبت طاولة أخرى. وأي زائر عابر كان غالبا سيتحير من فوضى الأوراق فوقها، لكن من يعرف ماركس جيدا كان سيدرك أن الفوضى فقط ظاهرية:
كل شيء كان حقيقة موضوعا في مكانه، حيث كان في مستطاعه أن يمد يده ليلتقط بسهولة الكتاب أوالدفتر الذي يحتاجه. حتى أثناء الحوارت، كان كثيرا ما يتوقف ليعرض مقتبسا من كتاب أو رقم ذكره لتوه. هو وغرفة مكتبه كانا شيئا واحدا: الأوراق والكتب بها كانوا تحت سيطرته تماما كأطرافه.
أما آخر قطعة أثاث في غرفة المكتب، فقد كانت خزانة خشبية متعددة الأدراج . هنا وضع ماركس صورا لأشخاص يعتز بهم مثل الرفيق وليم وولف، الذي أهدى له كتاب ” رأس المال” ولوقت طويل كان بالمكتب تمثال نصفي للإله جوبيتر وقطعتين من حائط منزل جوتفريد لايبنيز ( 1717-1738) -كلاهما – مهدى من طبيبه وصديقه العزيز لسنوات طويلة، لودفيج كوجيلمان؛ الأولى أهديت له في احتفالات أعياد الميلاد عام 1867 ، والثانية أهديت في عيد ميلاده الثاني والخمسين في عام 1870 ، بعد أن هدم منزل
فيلسوف ألمانيا الأعظم في القرن الثامن عشر (لايبنيز) في هانوفر.
عاش ماركس وعائلته في بيت يقع ضمن صف من البيوت المتلاصقة، في 41 شارع ميتلاند بارك في شمال لندن. وقد انتقل هو وعائلته إلى هذا المنزل في 1875 ، بعد أن كان يستأجر منزلا أكبر وأغلى في
البناية رقم واحد في الشارع نفسه على مدى السنوات العشرة السابقة . آنذاك، كانت العائلة الصغيرة تتكون من ماركس وزوجته جيني وابنته الأصغر إيليانور، بالإضافة إلى هيلين ديموث، وهي المربيةالمتفانية التي عاشت معهم ما يقرب من أربعين عاما. كان هناك أيضا ثلاثة كلاب كان ماركس مولعا
بها أيما ولع. تودي وويسكي وكلب ثالث مجهول الاسم كانت “حيوانات ليست من سلالات معروفة،(لكنها) كانت أعضاء مهمين في الأسرة”.
وفي عام 1870 ، بعد أن تقاعد إنجلز عن العمل وترك منزله في مانشستر، أخذ سكنا في 122 شارع ريجنت بارك، على بعد ما لا يزيد عن كيلو متر واحد فقط من منزل الرفيق الذي شاركه النضال السياسي
وعلاقة الصداقة الأكثر إخلاصا منذ عام 1844.
وبسبب المشكلات الصحية المتعددة التي عانى منها ماركس، “منعه مستشاروه الطبيون قطعيا لسنوات طويلة من العمل الليلي”؛ إلا أنه استمر بلا كلل يشغل نهاراته بالبحث، أسا سا حتى يتمكن من الانتهاء من كتاب ” رأس المال”، الذي كان جزؤه الثاني قيد الإعداد منذ نشر الجزء الأول عام 1867.
كان ماركس يتابع نقديا أيضا الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية المعاصرة، محاولا توقع السيناريوهات الجديدة التي قد تقود إليها تلك التطورات في شأن تحرير الطبقة العاملة. وفي النهاية ساقته دماغه الموسوعية، بدافع من فضوله الذي لا يشبع، إلى الاستمرار في تحديث معلوماته ومتابعة آخرالتطو ا رت العلمية. نتيجة لهذا، سود ماركس في سنواته الأخيرة دزائن من الدفاتر بالملاحظات والمقتطفات
من مجلدات عديدة في مجالات مختلفة، مثل الرياضيات والفسيولوجيا والجيولوجيا والتعدين والزراعة والكيمياء والفيزياء. وبجانب المقالات المنشورة في الدوريات، نقب ماركس سجلات برلمانية ومواد إحصائية وتقارير ومطبوعات حكومية، كما في حالة الكتب الزرقاء. ونادرا ما كان يقطع الوقت الذي كرسه ماركس لهذه الدراسات، بلغات مختلفة، شيء آخر. حتى إنجلز نفسه كان آسفا لذلك، قائلا إنه “فقط بصعوبة شديدة” كان يمكنه “إقناع ماركس بمغادرة غرفته”. ولكن بعيدا عن تلك الحالات الاستثنائية، لم يكن ماركس يغادر غرفته إلا لأخذ القسط المعتاد من الراحة، أو لإجراء اللقاءات.
وقبيل الغروب، كان ماركس يرتدي معطفا ويتوجه إلى متنزه ميتلاند المجاور حيث كان يحب التنزه مع حفيده الأكبر جوني، أو إلى هامستيد هيث الأبعد قليلا ، حيث أمضى العديد من أيام الآحاد المبهجة مع عائلته.
ببلاغة وصفت إحدى صديقات ابنته الصغرى، الممثلة ماريان كومين، الصورة التي غالبا ما كانا
يشاهداها:
مرات كثيرة، عندما كنا إليانور وأنا نجلس على السجادة أمام موقد غرفة الاستقبال، نتحدث في وقت الغسق، كنا نسمع الباب الأمامي يغلق بلطف، وبعدها مباشرة تظهر صورة الدكتور (ماركس) مرتديا معطفا أسود وقبعة لينة (وشكله يبدو للعالم كله، كما لاحظت ابنته، كواحد من ضمن جوقة للمتآمرين)، وهو يمر بجانب النافذة، ولا يرجع حتى حلول الظلام.