COUUA

كيف تمرَّد الماء على الأنهار والسُّدود!

كيف تمرَّد الماء على الأنهار والسُّدود!
كلَّ من رجع إلى كتب “السماء والعالم” لدى أرسطو أو ابن رشد أو غيرهما يعرف ما معنى الكواكب المتحيّرة، هي كواكب لا تسير في مسار منتظم، كما هو حال باقي الكواكب المعروفة. ونعلم اليوم كيف كانت المذنبات والنيازك والأحجار تشكّل خطرًا على الكرة الأرضيّة، وكيف حيكت الأساطيرُ حول مصدرها وعلى تأثيرها في حياة الأمم.
واليوم، أصبحنا نواجه ظاهرة غريبة ونادرة، وهي وجود أنهار متحيّرة، مثل الكواكب؛ هي أنهار معلقة في السماء، تنبع من أقصى القطب الشمالي وتعبر الأطلسي لتعبر اليابسة وتغمر الأراضي وتصُبَّ في قمم الجبال. هكذا، التحم النّهر المعلق في السماء بالأنهار والأحواض والسدود وتحوّل إلى ماردٍ ابتلع كلَّ شيء في طريقه.
تمرَّد الماء على الماء بعد أن تمرّد نهر السماء على أنهار الأرض. لم يكن للماء لون ولا شكل ولا طعم، في حياتنا اليوميّة؛ كان قادرًا على أن يتّخذ شكلَ الكوب الذي نشرب منه وشكل الصحن الذي نأكل فيه؛ وكنّا قادرين على تحويله إلى بخار وحَجر، فاستعملناه طاقة محرّكة ومثلجات تثلج الصدر؛ كنّا قادرين على تلوينه بألوان قوس قزح وعلى تزويده بالروائح والنكهات التي نريد؛ كان دومًا طيّعًا بين أيدينا، رمز تحكُّمِنا في الطبيعة وانتصارنا عليها.
وفجأة اختار الماءُ أن يخرج من العبودية؛ أصبح ذا لون وطعم ورائحة؛ اختار أن يتحوّل إلى طاقة بخار يُصَرّفها كيف يشاء؛ اختار أن يتمرّد على النهر الذي حمله وأن يتجاوز مساره المرسوم من المنبع إلى المصبّ. اختار الماء أن يتمرَّدَ على الكأس الذي أسَرَه في سجن القوالب الجاهزة وعلى كتلة الهواء الدّافئة التي أنجبته وعلى الرياح التي وجّهته. اختار الماء أن يفيض من كلّ الجوانب وأن يتغذّى من الطوب والإسمنت والخشب الذي أقيم على ضفّتيه وبعيدًا عنه في المدن والقرى والأراضي المنخفضة.
تحالف الماء مع المطر والرياح وضاقت سعة السُّدود بما وسعت؛ لم تعد تحتمل ما لا طاقة لها به؛ تجاوزت قوة الماء طاقة السدود على الاحتمال وأصبح لزامًا عليها أن تتقيّأ الفائض، وأصبح المنكوبون مخيَّرين بين الماء والطوفان، بين الرحيل والمجهول.
.ثمَّ اكتسب الماء أجنحةً جديدةً وغمر البيوت
عندما رأيت مشاهد نزوح السكان من ديارهم وحرمان التلاميذ من مدارسهم ومختلف أنواع المركبات والزوارق المائية التي تنقل الناس إلى ضفة الأمان تذكَّرت حنّة أرنت.

تخيلت كلَّ ما كتبته حنا أرنت عن النازحين في ظروف الحرب، بعد الحرب العالمية الثانية؛ تذكَّرت كيف تحدّثت عن نازحين أصبحوا بدون هوية ولا مأوى ولا إغاثة، بما أنَّ نشأة الدّولة السياديّة بعد الحرب العظمى خلفت آلاف النازحين بدون جنسيّة ولا هوّية. وأصبح حقُّ اللجوء مضمونًا لمن لا وطن له apatrite.
قابلت بين ما كتبته حنا أرنت عن النازحين وما أراه بعيني، ليس في ظروف الحرب، كما كان الأمر بعد الحرب، بل في ظروف الفيضان بعد التحوّل المناخي وتمرّد الطبيعة على غباء البشر.
كان مشهد مدينة القصر الكبير محزنا، إلى جانب قرى إقليم تاونات والعرائش وسيدي قاسم، بعد أن تحولت إلى مدن وقرى أشباح، أشبه بمدائن غادرها أهلها بعد تفشي الطاعون والجذام ؛ نظرت من خلف الشاشة إلى النازحين، وهم يمتطون الحافلات التي أعدها الدرك الملكي ووزارة الداخلية ومختلف وحدات القوات المسلحة الملكية، وأنا أقول مع نفسي: متى يعودون إلى أحيائهم من جديد.
احتاجت صرخة حنّة أرنت بعد الحرب إلى ميلاد المفوضيّة الدولية للاجئين لإغاثة بضعة آلاف من اللاجئين في أوروبا، وتوسّعت في العالم بكامله بعد تفاقم الحروب وتزايد نسبة اللاجئين الهاربين خارج أوطانهم من ظروف الحرب، وغيرها من المخاطر على الحياة.
لا نحتاج اليوم إلى صرخة حنّة أرنت فقط، بل إلى تعاون دول شمال أفريقيا والجزيرة الإيبيرية للحدِّ من آثار التغيُّر المناخي على بلداننا. نحتاج إلى تدبير أفضل لعنصر المفاجأة المناخيّة، من باب الوقاية وليس العلاج من هذه الأنهار السماوية المتحيزة.
نعلم أنَّ للبيت ربًّا يحميه في المغرب خلال الطوارئ، سواءً خلال الطوارئ الصحيّة من قبل، أو الزلازل أو الطوارئ المناخيّة اليوم. نتمنى أن ننتقل بنفس الفعالية والنجاح من تدبير الطوارئ إلى تدبير التضامن، لإعادة النازحين إلى منازلهم وتفعيل صندوق التضامن والعودة إلى الحياة العادية في المناطق المتضرّرة.
عزالعرب لحكيم بناني

.

Exit mobile version