تربية وتعليمفلسفة

فصل المقال فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال !

فصل المقال فيما بين الرياضة والسياسة من اتصال !

أعود من جديد إلى الفضاء الأزرق بعد فترة نقاهة قضيت جزءًا منها في ضيافة المهندسة الشابة بنت أختي في الديار البلجيكية؛ شكرا جزيلا لها ولكل الأصدقاء والصديقات على عبارات المواساة بعد الطارئ المروري الذي وقعت ضحيته.

واليوم نعود لننظر من جديد إلى الآمال الكبيرة المعقودة علينا خلال هذه الأيام. نداعب خلال هذه الأشهر حلمين كبيرين:

  • حلم أن تكرّس كرة القدم المغربيّة الإنجازات التي حقّقتها قبل أربع سنوات في مونديال قطر؛
  • حلم أن تكرّس الانتخابات المقبلة أحلام المغاربة في مستقبل أفضل.

المؤسف هو أنَّ بطولة العالم تنعقد بضعة أسابيع قبل الانتخابات. ويبدو أنَّ حماس المواطنين لكرة القدم قد يكون أكبر من تحمُّسهم للانتخابات؛ والدّليل على ذلك أنَّ المواطنات والمواطنين، من نساء وأطفال وكهول، ممّن لا يملكون شغفًا خاصّا بكرة القدم، يعرفون أسماء اللاعبين أكثر ممّا يعرفون أسماء المسؤولين السياسيّين والحزبيّين. ويحظى اللاعبون المغاربة بشعبيّة تفوق شعبيّة السياسيّين، وتتجاوز حضور المثقفين والفنانين.

هذه المشكلة ليست مغربيّةً خالصةً، بما أنَّ حمّى كرة القدم تمسُّ حوالي خمسين دولة مشاركة في النهائيّات. لم يعد الأمرُ مجرَّد لعبة كرة قدم، بل تحوّلت الأدوار النهائية إلى ما يشبه مؤتمرًا دوليًّا تصوت فيه المنتخبات المشاركة على ناخبين كبار دورًا بعد دور، إلى أن يحظى منتخب واحد بشرف اعتلاء قمّة الكرة العالميّة.

ما يميّز مباريات كرة القدم كذلك عن الانتخابات السياسيّة أنّ درجات التّشويق عالية في كرة القدم. تتكهّن كلّ الدول باحتمالات متفاوتة في تحقيق إنجازات متميّزة، بحكم الإنجازات السابقة واللاعبين الموهوبين، وبخاصّة إذا ما كان الاستعداد جيّدًا. هذه مميزات تزعم أغلب الدول أنها تتوفر عليه، عن حق أ عن باطل؛ وقد تصبح موضوع دعاية ومزايدات لا متناهية تغذي برامج الإعلام وحروب الكواليس. وفي الأخير، يظلُّ الملعب هو الحكم الأخير الذي يُكذّب التكهنات أو يؤكّد التوقعات، على عكس المباريات السياسيّة. كثيرًا ما يعزف المواطنون عن المشاركة السياسيّة لأنّ عنصر التشويق غائب بالنسبة للأوجه المعروفة أو لتلك التي تتمتع بنفوذ سياسي واسع، بينما يظلّ التشويق حاضرًا بقوة إلى نهاية المقابلات، بالرغم من وجود نجوم عالميين.

ليس عيبًا أن يستفيد المنتخب من حظوته الواسعة في دائرته، وليس عيبًا أن ينتمي إلى حزب يتمتع بنفوذ كبير يستطيع كسب مزيد من الأصوات. غير أنَّ كلَّ هذا قد لا يقنع الناخبين في نهاية المطاف ولا يعني أن المرشح قد نجح سلفًا قبل الدخول في الانتخابات.

هل يجوز لنا أن نتحدث عن وجود قدر مماثل من التشويق في كرة القدم وفي الانتخابات السياسية؟ هل يظل الناخبون والمنتخبون على أعصابهم إلى غاية نهاية الاقتراع والإعلان عن النتائج؟ يستطيع كلُّ واحد أن يحكم بنفسه على مدى القدرة على توقع النتائج في الكرة وفي الانتخابات.

يوجد عنصرٌ أساسي حاضر في كرة القدم وهو عنصر الثقة في اللعب النظيف وفي النزاهة النسبية التي يتمتع بها الحكام؛ إذ قد تلعب مقابلات في وقت واحد، إذا ما ظهر خوف من التلاعب بالنتائج، على خلاف ما وقع في الماضي، مثل حالتي المغرب والجزائر، فيما يخص اتهام البرازيل والنمسا بالتلاعب بالنتائج.

نستبعد اليوم بخصوص المونديال القول بوجود مؤامرات فرق ضد فرق أخرى، ونعتقد عامّةً أنَّ حضور الجماهير في الملعب أكبر يظل سند للفرق. فلا الكواليس تنفع ولا الدعايات.

غير أنَّ هذه الصورة الإيجابية التي تتمتع بها كرة القدم تصبح سلبية في حالة السياسة؛ إذ تظلُّ الكواليس واستمالة الناخبين بالمال والوعود الكاذبة عوامل تؤثر بصور متفاوتة في يوم الاقتراع.

وفي الأخير، ما يجعل كرة القدم موضوعًا أساسيا في السياسات العموميّة هو تتزايد الوعي بأن الكرة ليست مجرد قطعة جلد منفوخة، بل هي مصدر هام للدخل وتساهم اليوم في تنمية الاقتصاد الوطني، ونعتمد عليها في تشجيع الاستثمار والسياحة والبنيات التحتية في أفق تنظيم كأس العالم. ذلك أنَّ كرة القدم الوطنية أثبت حضورها بقوة على صعيد الجامعة الدولية لكرة القدم، لا سيما وأن المنتظم الدولي في كرة القدم يحقّق منجزات لا تحققها مجالس السلام ولا مؤتمرات القمة.

بهذا المعنى، تحظى السياسة الكرويّة بأولوية تأخذها البرامج السياسية بعين الاعتبار، على أمل أن تستفيد الأحزاب يومًا ما من شعبية واسعة مماثلة لتلك التي تحظى بها المنتخبات الوطنية.
أتمنى كامل النجاح للمنتخب الوطني وأن يظل التشويق حاضرًا إلى نهاية المونديال، وأن تحظى الانتخابات المقبلة بعناصر تشويق مماثلة.
عزالعرب لحكيم بناني

Related posts
ترجمةغير مصنففلسفة

روبرت حسن: كيف غيّرت الكتابة وعي نيتشه

ترجمةفلسفة

الماركسية وأزمة الرأسمالية

تربية وتعليمعامةفلسفة

وحدانيَّة التسلُّط

ترجمةفلسفة

جيجيك: أقلّ من لا شيء: هيجل وظلّ المادية الجدلية

Sign up for our Newsletter and
stay informed