تربية وتعليمفلسفة

عماد خالد رحمة: ما بعد الحداثة: تفكيك المركز وولادة الاختلاف


عماد خالد رحمة – برلين.
ما يزال الجدل محتدمًا حول مفهوم ما بعد الحداثة (Postmodernism)، لا بوصفه تياراً عابراً في الفكر الغربي، بل باعتباره زلزالاً معرفيّاً ضرب الأسس التي قامت عليها الفلسفة الحديثة، وخلخل يقينياتها الكبرى. فالمسار الأبستمولوجي لما بعد الحداثة، الممتد تقريباً من سبعينيات القرن العشرين حتى تسعينياته، لم يكن مجرد تطوّر تاريخي في الأفكار، بل كان انقلاباً في طريقة التفكير، وفي علاقة الإنسان بالحقيقة والمعنى والذات والعالم.
لقد وُلدت ما بعد الحداثة في رحم الشك، وتغذّت من إرهاق العقل الغربي من مطلقاته القديمة: العقل الكلي، الذات المركزية، الحقيقة الواحدة، التاريخ الخطي، والهوية المغلقة. لم تعد هذه المفاهيم قادرة على تفسير عالم يتشظّى، ولا على احتواء إنسان صار يعيش في تعددية الأصوات، وتكاثر المعاني، وانفجار الصور، وتهاوي السرديات الكبرى.
انطلقت ما بعد الحداثة من نقد جذري للميتافيزيقا الغربية، تلك التي جعلت من “اللوغوس” مركزًا للوجود، ومن العقل مرجعية عليا، ومن اللغة أداة شفافة لنقل الحقيقة. فجاءت فلسفات مثل التفكيك عند دريدا، وتحليل الخطاب عند فوكو، ونقد السرديات الكبرى عند ليوتار، لتعلن أن ما اعتُبر يوماً “طبيعيّاً” و”بديهيّاً” ليس سوى بناء تاريخي، وصياغة سلطوية، وخطاباً أنتجته قوى الهيمنة.
لم تعد الحقيقة جوهراً ثابتاً، بل صارت أثراً لغويّاً، وبنية خطابية، ولعبة علاقات قوة. ولم تعد الهوية جوهراً متماسكًا، بل شبكة انتماءات، وتقاطعات، وتحوّلات. ولم يعد التاريخ مساراً تقدميّاً مستقيماً، بل فسيفساء من الأصوات، والانقطاعات، والهزائم الصامتة.
ومن أجل الخروج من عباءة الحداثة، استخدمت ما بعد الحداثة أدوات التفكيك والتشكيك والتشتيت والاختلاف والتغريب. فهي لا تبني أنساقاً مغلقة، بل تفتح الشقوق في كل نسق؛ لا تبحث عن وحدة المعنى، بل عن تعدده؛ لا تطمئن إلى المركز، بل تفضّل الهامش؛ لا تقدّس الأصل، بل تحتفي بالنسخة، والمحاكاة، والتناص.
اقترنت ما بعد الحداثة بالفوضى الخلّاقة، لا الفوضى العبثية. إنها فوضى تهدم من أجل أن تكشف، لا من أجل أن تُعدم المعنى، بل من أجل تحريره من سجن الواحد والأبدي. ولذلك التصقت بها تهم العدمية واللا معنى، لأنها نزعت الطمأنينة عن الفكر، وحرمت الإنسان من المراكز الجاهزة التي كان يتكئ عليها.
ركّزت نظريات ما بعد الحداثة على فك الارتباط بـ”اللوغوس” بوصفه مبدأ وحدة الوجود والمعنى، وسعت إلى كتابة الاختلاف، وتثبيت التناقض، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتناص والتداخل الثقافي. لقد حاربت لغة الانغلاق، وفضحت مؤسسات الهيمنة الغربية، وكشفت الأيديولوجيا البيضاء التي ادّعت الكونية وهي تمارس الإقصاء.
اهتمت ما بعد الحداثة بالمهمّش والمقموع: بالأنوثة في مواجهة الذكورية، وبالعرق في مواجهة المركز الأبيض، وبالجسد في مواجهة العقل المجرّد، وبالمدنّس في مواجهة المقدّس المصنوع سياسيّاً، وبالمختلف في مواجهة النموذج الواحد. وفتحت خطابها على ما بعد الاستعمار، وعلى ذاكرة الضحايا، وعلى أصوات لم يكن لها حق الكلام في سرديات التاريخ الرسمي.
هكذا لم تعد الثقافة سُلطة تعلو على الناس، بل صارت ساحة صراع رمزي. ولم يعد الأدب مرآة للواقع، بل لعبة لغوية تفضح آليات تمثيله. ولم يعد الفن بحثاً عن الجمال الخالص، بل مساءلة للمعنى، وتشكيك في الذوق، وتمرد على القوالب.
وإذا قيل إن ما بعد الحداثة هي “فضّ بكارة الكون”، فالمقصود أنها نزعت عن العالم براءته الزائفة، تلك البراءة التي صاغتها الفلسفات الكبرى حين ادّعت أنها تفهم كل شيء، وتفسر كل شيء، وتملك مفاتيح الوجود. ما بعد الحداثة كشفت أن الكون ليس كتاباً مغلقاً، بل نصّاً مفتوحاً على قراءات لا تنتهي، وأن الحقيقة ليست تاجاً على رأس الفيلسوف، بل سؤالًا يمشي بين الناس.
إنها ليست نهاية المعنى، بل نهاية وهم المعنى الواحد. ليست قتلًا للعقل، بل فضحاً لاستبداده حين يتقمّص دور الإله. وليست دعوة إلى العدم، بل تحذير من الأصنام الفكرية التي تصنعها العقول حين تخاف من الحرية.
بهذا المعنى، فإن ما بعد الحداثة ليست مرحلة تاريخية فحسب، بل موقف وجودي: أن تعيش في عالم بلا ضمانات مطلقة، وأن تفكّر دون عصا يقين، وأن تكتب وأنت تعرف أن كل نص قابل للهدم، وكل معنى قابل لإعادة القراءة، وكل مركز قابل لأن يصير هامشاً.

Related posts
ترجمةفلسفة

جاني فاتيمو: الفكر الضعيف

ترجمةفلسفة

جاك بيديت: الدولة-العالم كـ«دولة»

ترجمةفلسفة

الان باديو: لغز مايو 1968

الفلسفة بصيغة المؤنثترجمةفلسفة

حنة ارندت: استعادة القدرة على التفكير

Sign up for our Newsletter and
stay informed