
Om Namah Shivaya
هذه تعويذة دينّية هندوسيّة لتمجيد الإله شيڤا. كانت هذه العبارة المكتوبة بحروفٍ ذهبيّةٍ تزيّن حائط المعبد الهندوسي الذي كان مفتوحًا لأنصار الطائفة الهندوسيّة شمال مدينة باريس. في البداية كان الفضول قد دفعني لزيارة المعبد، وذلك قبل أكثر من أربعين سنة حينما كنت أتابع دراساتي العليا هنالك.
استرعت انتباهي في البداية تلك الموسيقى الروحيّة الجذّابة، كما استغربت من القدرة على ابتكار عشرات الأطباق النباتيّة التي لا تقلُّ جودةً عن أطباق البروتينات الحيوانيّة. ولعلَّ ما استرعى انتباهي على الخصوص دفاتر الأدعية والابتهالات التي كانت مكتوبة باللغة السانسكريتية وحروف لاتينيّة ومترجمة إلى اللغة الفرنسيّة. وبما أنَّ لغة الشعائر الدّينيّة كانت هند أوروبّية، فقد كان بإمكاني أن أفهم بعض المفردات التي نجد لها مقابلا في أصول اليونانيّة واللغات اللاتينيّة.
غير أنَّ حدثًا غريبًا أثار فزعي واستغرابي في ذات الوقت، وأنا في بلد العقلانيّة الدّيكارتيّة. بينما كنت أتعرَّف على الطقوس وعلى الوجوه، ولاسيّما على المريدين، اكتشفت من خلال زياراتي الثّلاث إلى المعبد أنَّ أغلبهم كان من الفرنسيّين الذين يعانون الهشاشة، نتيجة المرض أو تجربة السجن أو الإقصاء الاجتماعي.
وفجأة، في زيارتي الثالثة والأخيرة أحسست كأنّني أعيش مشهدا هوليوديًّا، رأيت رجلا في لباس يشبه لباس أخناتون ومرأةً تشبه في قسمات وجهها الملكة كتيوباترا؛ تقدَّما معًا إلى داخل القاعة وجلسا معًا على كرسيين فاخرين. بعد ذلك، شرع المريدون في التقّّدُم والسجود أمام الگورو وأخته (علمت فيما بعد من الأخبار أنها كانت عشيقته !). غادرت القاعة وعلمت من بعض المريدين أنَّ الطائفة تملك معبدًا أكبر في الضاحية الباريسيّة من أجل قضاء نهاية الأسبوع في التعبُّد.
قلت مع نفسي آنذاك، كيف يمكن لبشر أن يسجدوا لبَشَرٍ وأن يتلاعب المحتالون بعقولهم في مدينة الأنوار؟
مرّت سنوات، وعلمت أنَّه تمَّ إلقاء القبض على الگورو وعشيقته في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانوا يملكون فيها معابد، بتهمة النّصب والاحتيال وحيازة عشرات سيارات رولس رويز وضيعات لا نهاية لها وأموال طائلة، ولا شكَّ في أنَّ المتابعة القضائيّة قد امتدّت إلى فرنسا ودول أخرى كذلك.
في كلِّ مرّةٍ كنت أقوم بتدريس قواعد المنهج لدى ديكارت، كنت أنظر إلى قواعد توجيه العقل على غرار قواعد قانون السّير، وأنا أستحضر في ذهني معبد شيفا. كنت أقارن قانون العقل بقانون السير وأقول إنَّ العيب لا يوجد في السيارة ولا في العقل، بل في حسن استخدامهما.
لا يجب أن نضع حواجز أمام استعمال العقل، فهو قادر على أن يضيء المناطق القريبة والبعيدة والمعتمة والخفيّة، على غرار السيارة التي تستطيع أن تخترق كلّ الطرق المعبّدة، دون تمييز بين منطقة وأخرى. ولا يوجد خوف من استعمال العقل ولا استعمال السيارة. لو دفعنا الخوف إلى عدم قيادة السّيارة بالسرعة المعهودة، وفضّلنا عدم تجاوز 20 كلم في الساعة خوفًا من الحوادث، لأصبح لزامًا علينا أن نتخلى عن السيارة نهائيّا وأن نستعمل الدراجة بدلا لها. المشكل ليس في السيارة، بل في حسن استعمالها من خلال تطبيق قانون السير بصورة سليمة. كذلك، لو دفعنا الخوف إلى عدم قيادة العقل بالقوة والصرامة المطلوبة خوفًا من الوقوع في المحظورات الدينية ، لأصبح لزامًا علينا أن نتخلى عن العقل نهائيّا وأن نكتفي بعلم الرّواية. والمشكل ليس في العقل، بل في حسن استعمال العقل من خلال تطبيق قواعد المنهج بصورة سليمة regulae at directionem mentii . وبما أنَّ الله قد زوّدنا بالقدرة على التّمييز واستعمال الحجة والدليل واستثمار البراهين العقليّة، فإنَّ الهدف هو أن يحمينا من المحتالين والمخادعين وتمكيننا من حصن حصين يعصمنا من الوقوع ضحية الدّجالين.
ليست العقلانية موضةً فكريّةً ولا تبجُّحًا بقدرات عقليّة خارقة، ولا مذهبًا فكريًّا نسبيًّا بين المذاهب، بل هي الوسيلة الوحيدة التي تمنعنا من إملاء آرائنا على الآخرين دون دليل عقلي بديهي؛ كما لا أقبل رأيًا دون أن أقتنع بسلامة الاستدلال على صحّته. العنف هو بالضبط إملاء رأي أو قبول رأي دون دليل. قد تكون المبالغة في العقلانيّة غير مقبولة، لكنّني أحصّن نفسي على الأقلّ من عبث العابثين ومن الآلهة المزيّفين، كما أدركت ذلك عن قرب في معبد شيفا في مدينة الأنوار وصاحب قواعد المنهج.
عزالعرب لحكيم بناني