COUUA

عزالعرب لحكيم بناني: وداعا هابرماس

وداعا هابرماس !
نطرح على أنفسنا منذ زمن بعيد أسئلة وجوديّة محيّرة، دون أن نتخيَّل يومًا أنّنا قد وجدنا لها حلولا ناجعةً:
لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
هل نستطيع استرجاع الأرض بقوة القانون أم بقانون القوة؟

في مقابل قضايا المصير لدينا ظهرت قضايا الوجود لدى هيدغر ليبنتز “لماذا يوجد شيء، بدل ألا يوجد شيء؟” هذه قضايا الفلسفة الخالدة philosophia perennis.

ظهرت مواقف لا متناهية من مثل هذه الأسئلة. غير أنَّ قضايا المصير لدينا هي القضايا التي سبق أن طرحها هيغل وفيشته تحت العنوان الألماني Selbstbestimmung أو الفرنسي détermination de soi. تدخل قضايا التخلف والأرض ضمن القضايا الخالدة، التي تكاد تحتلُّ منزلة القضايا الوجودية.
وقد تعامل فلاسفتنا وخبراء العلوم الاجتماعية لدينا تعاملا متباينا منذ فجر النهضة واحتلال الدول العربية مع هذه القضايا؛ لكنّنا عمومًا نجد موقفين مختلفين اتُّجاه قضايا الوجود المشترك: التخلف والأرض.
نجد موقفًا عقلانيًّا وواعيًا بوجود هذه القضايا المؤرّقة، دون أن يعتقد يومًا أنّه قد أوجد الحلول المناسبة، ويعتقد أنَّ توالي الأجيال والأفكار وروح الابتكار قد تساعد السياسيين والإصلاحيين وحتى الثوريين على إيجاد الحلول المناسبة؛ ولكننا قلما اتّخذنا موقفا ديكارتيّا صارمًا خلال البحث الفلسفي عن الحلول. والأدهى في الأمر، أنّنا نبحث دون كلل عن حجّة السلطة argument of authority للوصول إلى الحلّ النهائي. هذه الحجة صالحة في مجالات وضعيفة في حقل الفلسفة، عندما نبحث عمّن يساندنا، بالعودة إلى السلطة العلمية للفيلسوف وحظوته الاجتماعية، بدل أن نقوّمَ سلامة حججه في مساندتنا أو انتقادنا.
أفترض أنَّنا كنّا نعتقد دومًا أنَّ قوة هابرماس تتجلى في كونه تحوّل إلى سلطة فكريّة عليا، دون أن ننظر نظرةً نسبيّةً إلى آرائه الشخصيّة. وأظنُّ أنَّ العيب يظهر في تعاملنا غير التاريخي مع الفلسفة والفلاسفة. قد نعظم شأن الفلاسفة، وأنا لا أعمِّمُ، دون أن نعتبرهم حلقة في مسار طويل من البحث، ومن النجاح والإخفاق. ولذلك، قد ننتقل بصورة مفاجئة من نشوة قراءة الفلاسفة إلى الشعور بالإحباط، في تعامل نفسي يشبه المريض ثنائي القطبية bipolaire الذي ينتقل من الحماس الشديد للأفكار إلى الشعور بالحزن الشديد والإحباط. لا يعني ذلك أنَّ الباحث الذي ينتقل من الموقف الإيجابي إلى الإحباط مصاب بهذا المرض، ولكنه يعني أنّه ينبغي أن نتعامل مع الفكر أنه ابن تاريخه ومجتمعه وأنَّ المفكر الغربيَّ يظلُّ مقيّدًا بنماذجه المعرفية وبالأطر الاجتماعية للمعرفة، كما قال جورج كورفيتش يومًا.
أعطي في هذا الشأن مثال سبينوزا وهابرماس:
قرأت تقديم ترجمة كتاب سبينوزا tractatus theologico-philosophicus إلى الألمانية وقرأت تقديم الكتاب في الترجمة العربية. أثنى أستاذي ومُعَلّمي في فاس حسن حنفي ثناءً خاصًّا على عبقريّة سبينوزا، إلى درجة تخيلت معها أنَّ سبينوزنا تحوّل لدى المرحوم حسن حنفي إلى أعظم ممثّل للنقد التّأريخي للأديان؛ في المقابل، عندما اطلعت على التّرجمة الألمانيّة من اللاتينيّة، اكتشفت حجم الصّعوبات الفيلولوجية التي اعترضت سبينوزا وما هي نقاط الضّعف التي فرضت على سبينوزا أن يراجع رجال الدّين وأن يطلب منهم رأيهم في تأويله، بما أنّهم أهل الاختصاص في مجال اللاهوت، وكيف أنّه أعدَّ نسخة جديدةً ظلت مجهولةً، بعد أن أخذ آراءهم بعين الاعتبار، إلى أن اكتشفت في حيفا فيما أظن خلال بداية القرن العشرين.
المغزى: يعتبر كثير من الباحثين العرب عمومًا أنَّ عظمة سبينوزا ظهرت في اكتمال المنهج الفيلولوجي في النقد التاريخي للأديان على يديه، بينما يعتبر الغربيّون أنَّ سبينوزا نقطة بداية النقد التاريخي وليست نقطة النهاية، وأنَّ سبينوزا افتتح مجال بحث سيتطور بعد ذلك مع إنشاء الكراسي العلميّة في الفيلولوجيا القديمة.
نتعامل بالمنظور غير التاريخي مع الفلاسفة بنفس المعنى الذي تعامل به المسلمون مع كبار الفقهاء. على سبيل المثال لا الحصر، من أقبر ابن حنبل هم الحنابلة، لأنّهم اعتبروه نقطة نهاية البحث بعد أن كان نقطة بداية ودافعوا عنه بالسيف ولم يدافعوا بالقلم؛ وهذا دأب أغلب العلماء الذين أصبحوا ضحية الأتباع والمريدين والتلاميذ الذي فقدوا القدرة على الابتكار والإبداع، ما داموا أنّهم اعتقدوا أنَّ أفضل مظاهر التعظيم للشيخ هو أن يكتبوا بكتابة الحواشي والشروح على أعماله، بدل أن يفتحوا العلوم على آفاق جديدة.

ألا نتعامل بالطريقة نفسها مع هابرماس؟ نلجأ إلى فقه النصوص بدل منطق التاريخ في قراءة أعماله. إذ نعتبر أنّه من أعظم الفلاسفة المعاصرين. لكن كثيرا ما أدّى الانبهار الشديد به إلى إحباط كبير تّجاهه نتيجة مواقفه الأخيرة غير المشرّفة. أنا في الحقيقة أعتزُّ بالباحثين العرب الذين اشتغلوا عليه وأشهد على نزاهتهم الفكرية حينما انتقلوا من الانبهار به إلى معارضته. غير أنَّ المعارضة التي انتقلت أحيانًا إلى مستوى الانتقاد الجارح، قد نجمت عن نفس الانبهار الشديد.
والحال هو أنَّ هابرماس نقطة بداية البحث في العدالة والديمقراطية ، كما كان الحال مع سبينوزا الذي كان بداية البحث في الفيلولوجيا وفي مجال “اللاهوت السياسي” وهو موضوع الكتاب وعنوانه اللاتيني tractatus theologico-philosophicus.
قوة هابرماس هي أنّه أحيا مدرسة فلسفية اجتماعية من جديد. هو لا يعجب أتباع ما بعد الحداثة، لأنّه محافظ وليبرالي، ولا يعجب أتباع فتغنشتاين (بوفريس مثلا) لأنَّ هابرماس حمل قناع النظرية العلمية بدل التمسّك بالموقف الفلسفي. ومع ذلك، فضل هابرماس كبير على الفكر الألماني لأنّه لم يتعامل مع تلامذته من موقع الشيخ أمام المريدين، بل سمح لكلّ واحد منهم بأن يتطوَّرَ وبأن يسير في توجّه خاصٍّ به (في ضوء أعمال هونيت وهورست وغيرهما)، وسمح للمعترضين عليه بأن يبتكروا مذاهب مضادّة له، بعد أن انفتح هابرماس على الفكر الأنجلوساكسوني. وقد ساعد النقد العنيف الذي وجه إليه مدرسةَ فرانكفورت على التطور في اتجاهات جديدة، بعد الاحتكاك بالباحثين والباحثات الأنجلوساكسون والتحليليين في مجال القانون والأخلاق والسياسة.
إذا ما طبقنا منطق التاريخ وليس عقلية النصوص على هابرماس ذاته، نكتشف أنّه لا يزال هو، كما لا تزال مدرسة فرانكفورت في نقطة البداية بخصوص القضايا التي تؤرقنا؛ بل وقد نضيف دون مبالغة أنّها قد لا تكون على علم بصعوبة هذه القضايا وقد تضطرُّ إلى إعادة النظر في نماذجها المعرفيّة للإجابة عن أسئلتنا:

لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
هل نستطيع استرجاع الأرض بقوة القانون أم بقانون القوة؟

أجاب الاستعمار عن السؤال الأول، وقدّم حلولا مضلّلة لتبرير الهيمنة الاقتصاديّة والتبعيّة الثّقافيّة، ولا يزال السؤال مفتوحًا منذ أن طرحه شكيب أرسلان. أمّا السؤال الثّاني، لا يزال مطروحًا بقوة منذ الحرب العالميّة الثانية، وهو لم يسترع اهتمام الفلاسفة الغربيّين لأنّهم اشغلوا فلسفيًّا بقضاياهم، بينما كان علينا أن نبحث من داخل المرجعيات القانونيّة والفلسفيّة الغربيّة عن نقاط ضعفها في ضوء الاجتهادات العربيّة الكثيرة والمبهرة في قضايا التخلف والحداثة والاستعمار والامبريالية. ظهرت محدوديّة الديمقراطية التشاورية لدى هابرماس مع تطور البحث في فلسفة القانون وتبيّن أنَّ هابرماس ظلَّ أسير ديمقراطية الإجراءات والمساطر وحبيسَها. ظلَّ حبيس الجوانب المسطريّة procédurale ولم يستطع معالجة قضايا العنف والاستعمار والهيمنة والتمييز التي لا تُختَزَلُ في نموذج شمولي يجعل كلَّ ما هو واقعي عقلانيا، وكلَّ ما هو عقلاني واقعيًّا.
كان المنظور النسقي الهيغلي وبالا على الفلسفة، بالمعنى الذي يفيد أنّه أدّى إلى نهاية الفلسفة العقلانية التأملية أمام زحف العلوم الاجتماعية والمادية التاريخية والتحليلي النفسي وارتيابية كيركيغارد ونيتشه. بالمقابل، لا يجد أن نُحوّل منظومة هابرماس إلى نسق فلسفي عقلاني مكتمل ويجيب عن أسئلتنا المؤرّقة التي تلتمس استرجاع قوة القانون في زمن قانون القوة.
يدّعي المنظور المتشائم أنَّ العين بصيرة واليد قصيرة، يائسًا من قدرة الفكر على المساهمة في تطوير منظور عقلاني متأني وحذر حَذَرَ ديكارت. في المقابل، يزعم المنظور المتفائلُ أنَّ سؤالي التخلف واسترجاع الأرض سؤالان مفتوحان على الدّوام، ولا توجد إجابة نهائية بل مقترحات مستمرة في ضوء منطق التاريخ وتجدّد الأجيال والمصالح والاهتمامات.
لا يتحقّق ذلك إلا بفضل التعاون بين الفكر العربي والفكر العالمي وهو تعاون يَعِدُ بالكثير. نتمنى أن نستثمر الكتابات العربية الفلسفية في الموضوع، سعيًا إلى تجديد الحوار الفلسفي العابر للثقافات، بدل أن نشعُر بالإحباط من موقف فيلسوف لم يكن يعلم شيئا عن قضايانا إلا في ضوء الإعلام والأطر الثقافية المتحيّزة التي تحكّمت فيه.
تظل قيمة الفيلسوف مقترنة بالأجيال الجديدة التي طبعها و بآفاق التفكير الجديدة، معه وضده، ما دام النقد طبيعيا وما دام تغير الأجيال والاهتمامات من سنن الطبيعة.
وداعا هابرماس !
عزالعرب لحكيم بناني

Exit mobile version