COUUA

عزالعرب لحكيم بناني: صدمات الحياة والرياضة

صدمات الرياضة وصدمات الحياة !
خلال عقد التسعينات، وبالضبط سنة 1994 شارك اللاعب إسكوبار في بطولة كأس العالم ضمن فريق بلاده كولومبيا كما كان باجيو أحد اللاعبين الإيطاليين المتميزين خلال البطولة نفسها. المشترك بينهما هو أنَّ باجيو أهدر فرصة حصول بلاده على كأس العالم، بعدما ضيع ضربة جزاء لصالح بلاده؛ كما أنَّ إسكوبار تسبَّبَ في إقصاء بلاده من المنافسة بعد أن سجَّل إصابة ضدَّ مرماه عن طريق الخطأ.
ما الفرق بينهما؟
الفرق هو أنَّ اللاعب الإيطالي تحسَّرَ فعلا على ضياع ضربة الجزاء، لكنَّ الجمهور الإيطالي اعتبر أّنَّ ضربات الجزاء ضربات حظّ لم تبتسم للإيطاليين، كما ظلَّ باجيو لاعبًا كبيرًا في أعين الإيطاليّين؛ وكانت هذه الكبوة حافزًا كبيرًا للكرة الإيطالية التي توّجت جهودها بالحصول على كأس العالم فيما بعد (2006).

في المقابل، بعدما سجّل اللاعب الكولومبي هدفًا ضدَّ مرماه، تعرَّض لحملة تنمُّرٍ كبيرةٍ أفضت إلى اغتياله رميًا بالرّصاص في غمرة التعصُّب الأعمى والعدوانيّة المجانية ضدَّ لاعب تحوَّل إلى خائن في لحظات انفعال خرجت عن السيطرة.
لاعبان كبيران أهدرا فرصة التأهل، لكنَّ الواحد محظوظ لأنه ينتمي إلى ثقافة الروح الرياضيّة، بينما سقط الثاني ضحية التعصب الأعمى.
أدَّت خسارة كأس العالم لدى الإيطاليين إلى مواصلة العمل على إعداد فريق جيّد، وتعاملوا بصورة إيجابية مع الخسارة. في مقابل ذلك، كان إسكوبار ينتمي إلى مجتمع لم يميّز بوضوح بين التشجيع والتعصب الأعمى، ولا بين التنمُّر والنقد، ولا بين الروح القتالية في الملعب والأفعال القتالية في ساحة المعركة.

الفرق بين العقليتين واضح:

ما يؤثّر سلبًا على تطور الرياضة هو أن يصبح الهدف الرئيس منها هو حصد الكؤوس والبطولات. هذا طموح مشروع لا ينبغي له أن ينسى هدف ترسيخ ثقافة الممارسة الرياضية والحفاظ على سلامة الجسم والعقل والتقليل من مضاعفات الأمراض المزمنة.

الربح والخسارة واردان دومًا:

يمكن أن يحسَّ المرء بالصدمة بعد ضياع هدف محقَّق في اللحظات التي تعقب ضياع البطولة، لكنَّ الصدمة تتراجع شيئًا فشيئًا بعد ذلك، لأنّ المتفرجين يعلمون جيدّا أنَّ المقابلات الرياضية تحتمل الربح والخسارة؛ ونحن لا نتفرج على المقابلات إلا لأنها تستحضر الاحتمالين معًا من الزاوية المنطقية، كما يَحتمِلُ كلامنا دومًا أن يكون صادقًا أو كاذبًا، وتحتمل أفعالنا أن تكون خيرًا وشرًّا (ما عدا عند تضخم الذات والغرور والتعصب).
من يتخلى عن التعصب الأعمى وعن ادّعاء أنه الأفضل يؤمن بأنَّ ثنائيات الخير والشر؛ الحسن والقبح؛ الصدق والكذب؛ الربح والخسارة، تنظّم حياتنا اليومية.

في الحقيقة:
كلُّ الصدمات التي نتعرضُ لها خلال المقابلات الرياضيّة، هي محاكاة للصدمات وليست صدمات حقيقية؛ هي محاكاة ينفعل لها الجمهور في لحظات انفعال عابرة؛ ثمَّ ننتبه ونقول: “هذه هي الرياضة، فيها رابح وخاسر !”

أمّا الصدمات الحقيقية، فهي ليست محاكاة الصدمات، هي صدمات الحياة من حيث لا ندري، هي الصدمات التي يترك فيها ظلم الحياة جروحًا لا تندمل، بما أنَّ معاناة الظلم تغيّرُ مسار الإنسان وتُفقِدُ الإنسان حينها قيمةَ الحياة والأملَ في وجوده.

خُلقَت صدمات الرياضة في الحقيقة، في هيئة محاكاة، لمن لا يعيش الصّدمات الحياتية إلا بنسبٍ متفاوتة. أصبحت الصدمات الرياضيّة من الكماليّات المطلوبة في المجتمعات الاستهلاكيّة أو مجتمعات الوفرة التي تحكّمت في الصدمات الحياتيّة.

من هذه الزاوية نفهم معنى تشجيع الجمهور لفريقه:
تظهر الانفعالات والمكبوتات في تلك الرقعة الضيقة في مدرّجات الملاعب؛ يتفاعل الجمهور ويصفق ويغني ويشبع رغباته النفسية الدّفينة في سحق الخصم وفي الإشادة بالأبطال والفرسان والمقاتلين الجدد.

كلُّ هذا يُذكّرنا بما كتبه أدورنو وهوركهامار عن مشاهد التصفيق، وكيف تحاكي مشاهد الحرب من خلال اللعب.

بعد استفحال الثقافة الاستهلاكية، استهلاك الأعصاب والانفعالات والغضب في نهاية عرس لم يصل إلى نهايته بالنسبة للمغاربة، نعود إلى الواقع لواجهة مشاكله الحقيقية.

إذا لم نميّز بين المحاكاة والحقيقة، سنفقد القدرة على مواجهة الصدمات الحقيقية، ونحن نعيش في مجتمع المحاكاة والزيف، دون قدرة على جعل الرياضة في خدمة الصحة والقيم النبيلة والتنافس الشريف.
عزالعرب لحكيم بناني

Exit mobile version