جماليات المكان والقيم
إلى روح والدي، في الذكرى الثامنة عشرة لرحيله.
مقدمة:
هذا احتفاء باليوم العالمي للشعر واحتفاء بكتاب الدكتور عبد الله بنصر العلوي: فاس، جماليات المكان والقيم. نصوص من الشعر العربي، منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأكاديمية العربية وكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز.
هذا العرض مساهمة متواضعة في تقديم كتاب الدكتور عبد الله بنصر العلوي: فاس، جماليات المكان والقيم، والذي جمع فيه نصوصًا من الشعر العربي،
.
لن أتناول الموضوع من جانب الناقد الأدبي، بل من جانب يتراوح بين الانطباعات الشخصيّة ومحاولة إلقاء نظرة فلسفيّة أكثر موضوعيّةً. غلب عليَّ الجانب الذّاتي، بحكم الظروف الحياتية الصعبة، ظروف المرض والموت أو الحروب والسيول. غير أنَّ النظرة المحايدة تطالب بتبنّي منظور موضوعي بالقول: هذه سنّة الحياة، وكلنا لها. نحن نعيش صدمات وجوديّة مزلزلة على المستوى الذّاتي بينما يتعامل المنظور الموضوعي بعقلانيّة مع الموت، مستندًا إلى الأقدار الإلهيّة عند البعض وإلى اليد الخفيّة بعبارة آدم سميث التي تنظم العرض والطلب والحياة والموت. السؤال المطروح، هل نستطيع تبنّي المنظور الموضوعي نفسه بخصوص حياة المدينة ووفاتها؟ ألا نشعر بنفس الهزات الوجدانيّة ونحن نرى كيف أنَّ المدن القديمة آيلة للسقوط ويتم تعويضها بالمدن الحديثة أم أنَّ قانون التطور يفرض نفسه على العمران كما فرض نفسه على الأحياء؟ ألا يجوز القول إنَّ المنظور المحايد جائز في جانب وليس جائزا في جانب آخر؟ ألا يجوز القول إنَّ الشعر آخر حصن يحافظ على الصدمات الوجوديّة أمام اندثار العمران؟
بين الحياة والموت.
ذات صباح في قاعة الأساتذة بالكلية، بعد أن التحقت بمدة قصيرة بالكلية، التقيت الأستاذ محمد السرغيني، بدا لي في حالة وجد شعري، وهو ينظر إلي نظرة شارد، إلى أن انتبه إلي ونطق باسم Cioran، وهو يعلم أنّني أنتمي إلى شعبة الفلسفة. أردفت قائلا، Précis de décomposition
هذا الفيلسوف الذي شغل ذهن محمد السرغيني في رحلته الشعرية، طرح مفارقات لا يجيب عنها غير الشعراء. إذ السؤال الذي ظل يراود الشعراء هو التالي: لم الولادة وما الهدف من الارتباط العاطفي القوي بالمحبوب، ونحن نعلم أن الوشائج العاطفية والوجدانية ستنقطع يوما ما، وسيحوّل الموت الحبَّ إلى ذكرى. المشكلة متماثلة، لماذا نبقي على حياة مدينة شاخت ولا نتمنى لأنفسنا حياة مقترنة بالعذاب؟ إذا كان الأمر يتعلق بالأشخاص نفضل الرحيل، ولكن عندما يتعلق الأمر بفاس العتيقة نريد لها أن تبقى ولو اندثرت معالمها
.
المفارقة الكبرى هي أنّنا نتحسَّر على من زاره الموت على حين غرة ومات قبل الأوان. على العكس من حالة الموت قبل الأوان نجد الحالة المعاكسة وهي الحكم على المريض بمرضَ الموت بأن يظل حيا ، فتصبح الحياة أكثر تعذيبا من عذاب الموت نفسه. هناك ميت يريد أن يحيا ويوجد من الأحياء من يريد أن يموت. يلتقي سيوران وكيركيغارد في عبثية الحياة التي لا تبرّر استعجال الولادة ولا تأجيل الوفاة إلى غير أجل مسمى.
أنتقل من خلال هذه المقدمة إلى مقارنة المدينة بالأحياء، ومفارقة حياة الأشخاص وحياة المدينة، انطلاقا من جماليات المكان والقيم والنصوص الشعرية الموضوعة بين أيدينا:
نسمع دومًا من يقول، “فاس ماتت!”. والحقيقة أن كل من تغنّى بمدينة فاس، تغنى بالمدينة القديمة بعد أن غادرها من قبل. كلنا نحبُّ مدينة فاس، لكنّنا جميعًا غادرناها، لأنها لم تعد تستجيب لظروف الحياة الحديثة، والتحق بها وافدون جدد حولوا المدينة إلى مصدر سياحي مدر للربح. لا أدري ألم يصبح الشعر المتعلق بفاس شعر حنين.
من يعود إليها بعد مغادرتها، يعود بنبرة الحنين إلى ماض انتهى. ويعيش المفارقات التي يشهدها المريض الذي يتمنى الموت ولا يموت. ولكننا نحب بقاء المدينة بأدوائها وأمراضها، ونتعامل مع معجزة إحياء الموتى بمعناها الظاهر، على خلاف كيركيغارد وهي عودة المدينة إلى الحياة. وهنا سأعود إلى نموذجين من الشعر الحديث: وهما محمد بنيس ومحمد السرغيني.
نحن نعيش مفارقة غريبة بين الإقرار بسنة الحياة وهي أنَّ كل من
عليها فان سواءً بشرا أو حجرًا، وأنَّ الانتقال من نمط الحياة التقليدي إلى النمط العصري، جزء من طبيعة الحياة، ومع ذلك، نلوم أهل فاس الذين تخلوا عن مدينتهم وتركوها مرتعا للإهمال. يوشك المنظور الأول أن يفتح المدينة العتيقة على المجهول: ماذا يتبقّى من أكبر منطقة للراجلين إذا ما اخترقتها السيارات واحتجبت المآذن خلف الإسمنت المسلح؟ هذا الخوف من المجهول، وهو أن تفقد فاسُ روحها يقابله خوف من نأي فاس عن فاس.
يبرز محمد بنيس مفارقة الجمع بين العتاقة والتجديد، كأنّك تطلب من فاس أن تنأى عن فاس: قد تتحول فاس إلى نعش حجري، حسب تعبير الشاعر محمد بنيس:
ها أنت تحيطين النعش الحجري
بخطوط كوفية
برشاش
أرصده في حاشية الزليج
بمواويل الطرب الأندلسي
…..
ها أنت تنتقلين على ألواح الفتنة تنتقلين
من فانية
لجلالة فانية
تتخطين حزام الضوء فلا تنذهلين
ها أنت صفاء منطفئ
في أجراس الحلم
وفضاء منجرح
يتدحرج في سرداب اليتم
عندما يذكرنا محمد بنيس بالزليج ومواويل الطرب الأندلسي، يذكّرُنا بأنَّ صدمة فاس هي أن تضيع فاس بعد أن سقطت الأندلس.
هكذا، تحوّلت فاس إلى متخيَّل شعري استفاق من صدمة ضياع الأندلس إلى خوف من ضياع فاس.
في الحقيقة، حينما دخل محمد بنيس ومحمد السرغيني، وغيرُهُما، عتبة الحداثة، انصرفا عن هذه الصورة المستهلكة عن الامتداد الحضاري للأندلس داخل حاضرة فاس. لا جدال في أنَّ السرغيني يدعو إلى إنقاذ مدينة فاس، مثل:
عودة الصحون النحاسية … عودة السمك الأرجواني إلى صهريج جامع الحوت وعودة الناعورة إلى جنان السبيل وعودة الصفصافة المقتلعة من رحبة الزبيب وعودة الماء إلى وادي الجواهر وتغطية الباقي عاريا من وادي الزحون وترميم جامع عين الخيل مقام ابن عربي في إقامته الفاسية.
لا يقترن تاريخ فاس لدى محمد السرغيني بسرديّة محدّدة، ولاسيما سردية الأندلس التي امتدت إلى الطبخ والموسيقى والمعمار، بل يظلُّ متمزّقًا بين سردية المؤسس والشاعر والعنقاء والمؤرخ، ولو أنَّ الكلمة الأخيرة تظل للمؤرخ.
رغم التعارض الموجود بين مختلف السرديات، ظلَّ محمد السرغيني متشبثا بارتباط المدينة بالماء والطبيعة والصفصافة، وهي التي تم إعدامها بعد اقتلاعها من رحبة الزبيب، بدل معالجة أدوائها:
صفصافة
تشكو من عسر الطلق
ومن فيروسات تغتال تمور النخل
كما تشكو من أشخاص مفصولين عن الواقع
وقد نحا امحمد الإدريسي نحو السرغيني في اتجاه الدفاع عن الماء، وهذا ما أكد عليه ذ. عبد الله بنصر في تقديم الكتاب بخصوص جمالية الماء.
وادي الجواهر رحلت جواهره، كما قال الشاعر امحمد الإدريسي:
وأمسك الدوح عن حمل المنة، جزعا فحل منا مكان البسمة الكدر
وقد استثمر السرغيني أسماء الأحياء لبسط روحه النقدية، كما فعل مع درب البركة الذي سكنه حينا من الدهر وكان سوقا للنخاسة، كما فعله مع باب بوجلود والزربطانة وجرنيز
يظهر النقد في الأبيات الخاصة بباب بوجلود في الالتباس الحاصل بين فرض الحماية الفرنسية وذريعة الإصلاح، مستثمرا استمراريّة الدّارجة في اللغة العربية:
من دخل المدينة،
بجسد حارب مأجورا مع ‘الهكسوس’
من بابها الثيب أو من بابها البتول،
من لحية مرسلة أو شارب مفتول.
قتلها ثم مشى مع المعزين
الذين شيعوا الجنازة
شرانق سوريالية.
لا أحد يريد لفاس أن تموت ولو أن فاس تطرح إشكالية العدالة المجالية بين المدينة الجديدة الممتدة خارج الأسوار والمدينة العتيقة، بعد أن فقدت عوامل منافسة المدينة الحديثة.
أعود من جديد إلى الكتاب لأقول إنه يتعذر على القارئ أن يحيط بأكثر من مائة وثلاثين شاعرة وشاعر على امتداد الأقسام الثلاثة من هذا الكتاب التي توزعت عناوينه الكبرى بين الشعر عبر العصور والشعر المعاصر وفاس في الشعر العربي، ولذلك اكتفيت بنموذجين من رؤيا الحداثة.
وبما أنّنا في كلية الآداب ظهر المهراز، لا بدَّ أن نغتنم فرصة وجودنا فيها، حتى نسمح لها بأن تظهر نفسها النقدي الذي شحذ همم الشعراء، مثل الشاعر محمد فريد الرياحي من وجدة، حينما ذكرنا بأيام النضال:
ذكرت الحي والأيام تنسي وما في الحي إلا رجع نفسي
…..
ذكرت الحي والأطلال تهوي. تباعا في هوى هدم وهرس
خاتمة:
يبدو أن المدينة هي عنقاء محمد السرغيني، تموت لتنهض من رمادها، هي موتى عيسى الذي أحيا الأموات، بينما قد نطلب الموت للأحياء رحمةً بهم، إذا ما كان المرض العضال ليس من بعده شفاء. لا ندري، هل يوجد شرٌّ يسوغ الموت الرّحيم أم ينبغي التشبث بالحياة بأيّ ثمن.
هذا هو التحدّي الحضاري الذي انتبه إليه التازي سعود:
مدينتي شاخ بها دهرها. بدت بها اليوم غضون العياء
فقصورها والسبل حلت بها. أيادي زمان عابث قد أساء
لكن وإن شاخت فإن بها. بقية من حسنها والبهاء
معضلة الأحياء هي كذلك معضلة المعمار في ذهن المؤرخ. يظل الشعر وسيلة التعبير عن هذا التّحيُّر في ذهن المؤرخ والشاعر، في انتظار أن تصبح فاس أفقًا للتفكير.
كان اليقين، أي الوفاة في اللغة القرآنيّة، سبيلَ الخروج من التحيُّر،
وقد يكون الموت راحة الحائر من المجهول، ومن التساؤل عن الجدوى من السلم والحرب ومن الحياة والموت. في الحقيقة، يمكننا أن نتعايش مع التحيُّر والمستقبل المجهول نتيجة انهيار العمران وتفاقم الحروب، ما دام أفق الشعر يخلع معنى على الحياة والعمران، أملا في أن يتحول أفق الشعر إلى أفق للفكر.
عزالعرب لحكيم بناني
