نشرت جوديث بتلر كتابها «قلق الجندر» عام 1990، فصار واحدًا من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ التفكير في الجندر، ويُعرف عنه أنه عصيّ على القراءة حتى الخبراء يجدون فيه مشقة. والسؤال الذي يفتح به الكتاب بسيط في ظاهره: ما هو الجندر؟ ومن أين يأتي؟ لو سألت الناس، لقال أكثرهم إن بعض الناس يُولدون ذكورًا وبعضهم إناثًا، وهذه بيولوجيا فحسب، وإن الرجال يتصرفون كرجال والنساء كنساء، وهذه طبيعة. فتقول بتلر: تمهّلوا، ولننظر في هذا بتدقيق أكبر.
تخيل متجرًا للأزياء، تدخله كل صباح فتلتقط زيّ اليوم. تأخذ زي «المرأة»، فتصفّف شعرك على نحو معين، وتلبس ثيابًا معينة، وتتكلم بنبرة معينة، وتحرك جسدك على نحو معين، وتعبّر عن انفعالاتك على نحو معين. أو تلتقط زي «الرجل» فتفعل ما يتوقعه المجتمع من الرجل. ثم تخيل أنك تفعل هذا كل يوم منذ وُلدت، تفعله بتلقائية وعادة حتى نسيت أنك تلبس زيًا أصلًا، وصار يبدو كأنه أنت. هذا، تقول بتلر، هو الجندر: مجموعة سلوكيات وأوضاع وأداءات تعيدها وتعيدها حتى تبدو طبيعية. وتسمي هذا «الأدائية»، ومعناها أن الجندر شيء تفعله.
وثمة صورة أخرى. تخيل أن العالم كله مسرحية، ولكل واحد دور: رجل أو امرأة، وثمة نص بقواعد: الرجال يفعلون هذا، والنساء تفعل ذلك. وكل يوم يؤدي الجميع دورهم. لكن المفارقة أن الجميع نسوا أنها مسرحية، يحسبون أن الشخصية هي الشخص الحقيقي، ويحسبون أن النص مجرد طبيعة. فتقول بتلر: تمهّلوا، ولننظر في النص، من كتبه؟ ومتى؟ ولماذا؟ وجوابها أن المجتمع كتبه، والثقافة كتبته، والتاريخ كتبه، على مدى مئات السنين، وأنه كان دائمًا اختراعًا بشريًا تكّرر تكرارًا عميقًا حتى صار يبدو كالطبيعة.
وهنا الجزء الذي فاجأ الناس أكثر. نظن جميعًا أن ثمة ذاتًا حقيقية تحت سلوكنا، كأن ثمة امرأة حقيقية أو رجلًا حقيقيًا في داخلنا، وسلوكنا يعبّر عنه فقط. وتقلب بتلر هذا كليًا، فتقول إن السلوك جاء أولًا، وإن الذات الداخلية وهم خلقه السلوك. لا جندر مختبئًا في داخلك ينتظر الخروج، بل تكرار السلوكيات الجندرية هو ما يخلق الإحساس بأن ثمة شيئًا في الداخل، كما لو أعدت كلمة واحدة مرارًا حتى تبدأ تبدو كأنها تعني شيئًا عميقًا غامضًا، فالتكرار يخلق إيهام العمق.
وتشير بتلر أيضًا إلى دفتر قواعد خفي تتبعه معظم المجتمعات: جسدك، ذكرًا كان أو أنثى، يحدد جندرَك، رجلًا أو امرأة، الذي يحدد من تنجذب إليه، أي الجنس الآخر. هذه السلسلة تُعامل كأنها طبيعية بديهية كالجاذبية، وتقول بتلر إن شيئًا من هذا محتوم، بل هي قواعد اخترعها أحدهم. وحين تراها قواعد لا طبيعة، تدرك أنها قابلة للكسر والثني والتساؤل. فالمثليون يكسرون القاعدة الثالثة، والعابرون جندريًا يكسرون القاعدة الثانية، وغير الثنائيين يكسرون الأولى والثانية، وهؤلاء جميعًا وُجدوا دائمًا، وهذا يدل على أن دفتر القواعد «الطبيعي» لم يكن يومًا طبيعيًا كما يُقال.
ومن أبرز أمثلة بتلر فنانون يؤدّون جندرًا مختلفًا بمبالغة، وتقول إن هذا الفن يكشف الحقيقة عن الجندر كله. فحين تؤدي ملكة الدْرَاغ دور «المرأة» بمكياج مبالغ فيه وصوت وإيماءات، يصبح واضحًا أن الأنوثة مجموعة أداءات، وترى الأداء أداءً. والنقطة أن كل امرأة تفعل الشيء نفسه، والفرق أن الدْرَاغ يجعله مرئيًا كأداء، بينما الآخرون يفعلونه منذ زمن طويل حتى نسوا أنه أداء. فنحن جميعًا نؤدي الجندر في كل وقت.
وفي عام 1990، كانت كثير من النسويات يناضلن من أجل حقوق النساء، وهذا منطقي تمامًا. لكنهن كن يناضلن باسم «النساء»، كأن جميع النساء يشتركن في التجربة نفسها والهوية نفسها. فسألت بتلر سؤالًا مزعجًا: من يُحتسب امرأة؟ هل تُحتسب المرأة العابرة؟ وغير الثنائية؟ وامرأة من ثقافة مختلفة تمامًا؟ وامرأة لا تتصرف بأنوثة على الإطلاق؟ كان قلق بتلر أن النسوية إن بنت مشروعها كله على مقولة «المرأة» كأنها بديهية ومستقرة ومشتركة، فقد تنتهي إلى الإقصاء، بتعريف من هي «المرأة الحقيقية» على نحو يضرّ بعض أضعف الناس. واقتراحها أن نتساءل في صناديق الجندر الصلبة كلها ونتحداها.
وخلاصة الكتاب أن الجندر شيء تؤديه وتكرّره وتمثّله كل يوم، وقد أقنعنا المجتمع أن الأداء طبيعة. وهي لا تقول إن الجندر مزيف أو كذبة أو بلا أهمية، فالأداء حقيقي جدًا وله آثار حقيقية في حياة الناس. وهي لا تقول إنك تستطيع أن تختار جندرَك كمن يختار قميصًا كل صباح، فالأداء في معظمه لاواعٍ، وعميق التجذر، ويفرضه المجتمع. وهي لا تقول إن الأجساد البيولوجية غير موجودة، بل تقول إن المعنى الذي نعلقه على الأجساد بناء ثقافي، لا معطى طبيعي. و«قلق الجندر» يطلب منا أن ننظر إلى شيء مألوف إلى حد أننا توقفنا عن رؤيته، كأن تطلب من سمكة أن تلاحظ الماء. الجندر يبدو أطبيع الأشياء في العالم، فتقول بتلر: انظر مرة أخرى، من علّمك هذا؟ ولماذا؟ وماذا سيحدث لو توقفنا عن اعتباره مسلّمًا به؟ هذا السؤال، ببساطته الظاهرة، زلزل العالم الأكاديمي فعلًا، وغيّر طريقة ملايين الناس في التفكير في الهوية والسياسة وما يعنيه أن تكون إنسانًا.
- شربل نصّار
