رشيد العلوي
يسعى الإصدار الجديد: “سوسيولوجيا التفاوضية: نحو براديغم جديد لفهم مغرب اليوم” للباحث المغربي عزيز مشواط (دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2026)، الى ملامسة إشكالية سوسيولوجية مركبة، شغلت المهتمين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية عقودا من الزمن، وتبلورت في الفكر المغربي المعاصر بتلوينات مختلفة: الأصالة والمعاصرة؛ التقليد والتحديث؛ القديم والجديد؛ المجتمع والدولة؛ المادي والرمزي…
ينطلق السوسيولوجي عزيز مشواط من توظيف مفهوم معاصر لفهم حجم التحولات الجارية في مجتمعنا، ويتعلق الأمر بمفهوم التفاوضية بما هو براديغم محوري يعيد تشكيل الواقع المادي والرمزي وتأويله نحو فهم أعمق لما يجري في المغرب الراهن.
شكل القبض على الرمزي والدلالي هم الباحثين في مراحل مختلفة من مراحل تطور الفكر المغربي المعاصر وهو ما دفعنا للاقرار بضرورة إعطاء الأهمية البالغة لهذا الكتاب لما سيكون له من أثر في الممارسة السوسيولوجية الجارية، إنه منظار الباحث والفاعل الاجتماعي والسياسي والمدني والحقوقي والديني لإعادة بناء فهم جديد لمغرب اليوم، حيث يساءل الباحث مفهوم التفاوضية في حد ذاته قبل أن يتبناه كمفهوم إجرائي قابلا للتنزيل كما نحتته السوسيولوجيا التفاوضية.
يعسر على الباحث الموضوعي الانسياق لأحكام مسبقة والانطلاق من مسلمات بمثابة تحصيل حاصل، وهذا ما أخذه عزيز مشواط بعين الاعتبار منطلقا من أن كل فهم للجاري يحتمل النسبية والتأويل والسجال، إذا ما تخلينا عن الاحكام الأخلاقية والأيديولوجية التي ارتهنت بالمهنج الحتمي والخطي.
نحن أمام عمل لا يسبح في سماء المعقولات ويعيد إنتاج المعرفة الاكاديمية في أطر نظرية بحثية، بل أمام اجتهاد يتتبع الجاري في أدق حيثياته ويقحم الفاعل في لعبة البحث عن المعنى عبر الفهم السوسيولوجي ولعلها مهمة صعبة على الفاعلين في المجتمع المغربي بحكم انحسارهم في مجالات وقطاعات اشتغالهم دون اعتبار لمحتلف بنيات النسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقيمي، ولكنها في الآن ذاته مهمة واعية صقلتها تجربة الباحث في الميدان والموجهة بمنهج صلب لفهم سيولة الرمزي.
منذ كتابه السابق حول “تجربة حركة 20 فبراير” (2014)، والباحث متوجس ببراديغم التفاوضية كآلية تتجاوز منطق الثنائيات الحدية في فهم واقع سائل، ينظر إلى سيرورة التفاوضية بما هي وسيلة تحضر دوما في تدبير العلاقة بين الرسمي وغير الرسمي حيث لم تعد ثنائية الدولة والمجتمع محكومة بنفس منطق البناء التراكمي لتسلطية اجتماعية وسياسية متجذرة تعطي الصدارة للمؤسسة الرسمية كراعية للمجتمع، ولا لمجتمع دينامي يقوض المؤسسة الرسمية لفرض تطلعاته المادية والرمزية، مما يجعلنا أمام تفاوض جديد لا تجد فيه عبارة الدولة ضد المجتمع ولا عبارة المجتمع ضد الدولة، أي أساس لفهم حجم التحولات لأن منطق التفاوض يفترض إمكانية تجاوز الثنائيات الحدية نحو الإقرار بصراع تفاوضي حيث يعيد كل طرف إنتاج معنى جديد للممارسة بل لوجوده ككل ويتأقلم مع الجاري كمطلب حيوي تجسده تعبيرات الفاعل الاجتماعي وتحولات الفضاء العمومي، وملحاحية حاجيات الفئات الاجتماعية النشيطة: النساء، الشباب، المهاجرين، المقصيين…
لا تستطيع الحاجات الجديدة: الحريات الفردية، احتلال الفضاء العمومي، تحولات الجندر، ضغوط الهجرة، والسياق الجيو-سياسي… إلا أن تقبل التفاوض بدل الصراع الحدي ومنطق المواجهة من أجل الانتصار.
تكمن قيمة الكتاب في أنه يتيح للأجيال الصاعدة من الباحثين أفقا للاجتهاد المنهجي وللبحث والتقصي الميداني عبر منح الفاعل الاجتماعي فرصة الانخراط في الإنتاج المادي والرمزي وحرية التعبير الواسعة عن الطموحات والتطلعات لمواجهة الاكراهات والأنساق المغلقة.
سيجد الباحث الصاعد رزنامة من الإشكالات والموضوعات التي ستنير البحث السوسيولوجي المغربي مستقبلا لما يتيحه براديغم التفاوضية من سلاح منهجي وعدة مفاهيمية مناسبة لفهم الواقع المغربي السائل.
سيتم توقيع الكتاب وتقديمه يوم غد وفق الاعلان ادناه
