القضية الفلسطينية بوصفها تجسيدا مثاليا لشعب مترحل

فرانسوا دوس

تعريب محمد هشام

شكلت حساسية جيل دولوز لقضايا الشعوب المقتلعة من أراضيها، والمترحلة أساس إلتزام كل من جيل دولوز وفيليكس غاتاري بمناصرة القضية الفلسطينية. ففي سنة 1977-1978وبمناسبة تنظيم أيان هاليفي أياما دراسية بجامعة فانسين حول مصادرة إسرائيل لأراضي الفلسطينين، و هي الأيام التي واضب فيليكس غاتاري على حضور و متابعةأشغالها،بشغف وانتظام وفي سياق ما اثارته احدى جلساتها من نقاشات صاخبة ، والتي كان يتابعها أيضا ضمن الجمهور الحاضر بالقاعة إلياس صنبر المثقف الفلسطيني الذي كانت تجمعه معرفة جد وطيدة بهاليفي،ومعرفة أقل توطدا بغاطاري،ورغم أن إسم إلياس صنبر لم يكن مدرجا ضمن لائحة المتدخلين أو المعقبين الذين يفترض أن يشاركوا بمداخلاتهم في تلك الجلسة، لكنه وجد نفسه مضطرا لارتجال مداخلة طويلة ،لتفنيد ماراج خلال تلك الجلسة من مغالطات تاريخية عديدة ، حول وقائع وتقنيات حرب الفدائيين الفلسطينيين إبان سنوات الثلاتينات. وتصادف أن تزامن تنظيم هذه الأيام الدراسية مع نفس السنة (1978) التي كان دولوز وغاتاري في عز إنشغالهما الفكري بتأليف الفصل الخاص ب “ماكينات الحرب’ وأجهزة الأسر… من فصول كتابهما العمدة “ألف هضبة وهضبة” ولذلك كانا مهتمين على نحو خاص بالتجربة الفلسطينية، ليبادر غاطاري إثر إستماعه لمداخلة إلياس صنبر بالايام لدراسية لجامعة فانسين ،إلى ترتيب لقاء بين هذا الأخير و دولوز تولدت عنه صداقة وطيدة ظلت تجمع بين الإثنين إلى آخر أيام حياة دولوز.واسفر هذا التبادل الفكري الأولي بينهما عن ابداء دولوز لأول موقف علني له حول الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني الشائك والأليم ،ضمن نصه الموسوم ب”المزعجون” ونشر يوم 7 أبريل من سنة1978بجريدة لومند، في أعقاب عمليات الغزو الواسعة التي قام بها للجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان ، وخلفت المئات من الضحايا بالمخيمات الفلسطينية وضمن الساكنة اللبنانية كما أسفرت عن تهجير عشرات الآلاف من اللبنانيين نحو العاصمة بيروت .ليجعل دولوزمن قضية الفلسطينيين،قضيته،حيث كتب :” صار الفلسطينيون بوصفهم شعبا جرد من أرضه ومن دولته،مزعجين للجميع “. وهو النص الذي أعيد نشره ضمن كتاب “نظاما حمق” Deux regimes de fouالصادرسنة 2003، وفيه يندد دولوز بالإبتزاز الذي يتعرض له الفلسطينيون الذين لايعرض عليهم فيه إلا الموت كأفق وحيد .ويطالب المجتمع الدولي بالإعتراف بالفلسطينيين كمحاورين شرعيين”بما أنهم يوجدون في حالة حرب ليسوا هم بالتأكيد المسؤولون عن إندلاعها”:

في سنة 1980، بادرإلياس صنبرلحمل لواء مشروع تأسيس مجلة فكرية للدراسات حول القضية الفلسطينية.مكثفا إتصالاته ،وعارضا على كل من وقع الإتصال بهم المساهمة في تحقيق مشروعه الذي كان قد إكتملت ملامحه وقطع أشواطا عديدة من التهييء،لكن عملية إصداره كانت تصطدم في كل مرة بالباب المسدود. قبل أن يستشير صنبر دولوز الذي أجابه بأنه سيطلب من جيروم لندن إستقباله.وهكذا سيتوجه بمشروعه إلى منشورات مينوي ليلتقي بليندون بناء على توصية من دولوز،علما أن ليندون لم يكن له سابق معرفة بإلياس صنبر، وعن هذه الدار سيصدر العدد الأول من مجلة دراسات فلسطينية بالفرنسية في أكتوبرمن سنة 1981،وبعد فترة من ذلك،سيتفق إلياس صنبر ودولوز على نشر حوار مطول بينهما [بمجلة الدراسات الفلسطينية ]إختارا له كعنوان “هنود فلسطين الحمر”

…وسيبادر دولوز لاحقا ،ودائما في أوائل الثمانينات،وفي وقت كانت فيه منعطفات الصراع تشهد معارك أكثر فأكثر ضراوة ومأساوية، إلى كتابة نص آخر

موسوم ب”عظمة ياسر عرفات”يحتفي فيه بالقضية الفلسطينية ويحيي قائدها ياسر عرفات، معتبرا ” أن القضية الفلسطينية هي قبل كل شيء مجموع المظالم التي كابدها ولا ينفك يكابدها هذا الشعب” يكتب دولوز مضيفا “ماكان بوسع عرفات أن يصف مدابح صبرا وشاتيلا بغيروصف الخزي والعار” منتقدا، تحويل أكبر عملية إبادة في التاريخ إرتكبها النازيون إلى شرمطلق عبر رؤية دينية منافية للتاريخ:”إنها ليست رؤية تاريخية،بما أنها لاتضع حدا للشربقدرما تعمل بالعكس على جعل وبائه يتفشى، بإسقاطها له على بريئين آخرين” وفيه يجدر دولوز موقفه الرافض للسياسة الإسرائيلية.لمقاومة واقع الغطرسة الإسرائيلية من جانب، والتواطؤ الدولي الذي يعمل من جانبه هو الآخر وبنحو مخز على تغطية سياستها الإجرامية. ويعتبر دولوز أن المأساة الفلسطينية كانت بأمس الحاجة لأن تجد “شخصية تاريخية كبرى يصدق عليها القول، من وجهة نظر غربية،أنها شخصية قدت بمواصفات تكاد تكون شكسبيرية، فتجسدت هذه الشخصية في شخص عرفات”.

وقد مثلت أعمال كل من دولوز وغاطاري معينا أساسيا لإلياس صنبرالذي نشر سنة 2004 عمله الموسوم ب”صور الفلسطيني” مصدرا بالإهداء التالي:” إلى جيل دولوز، تكريما لصداقة لاتنفك عراها” .وهو إهداء يمثل شهادة إعتراف بما يدين به من أياد بيضاء لدولوز وبما يتعدى موقفه الملتزم والداعم له ولقضية شعبه، إلى الدين الفكري المثمثل في ما أبدعه ووضعه في صدارة إهاماماته من عدة مفاهيمية عملية.وبأخدنا المسافة الزمنية الضرورية عن ملابسات تلك الفترة ،يمكننا،الجزم في أقل الأحوال، بأن جيل دولوز قد إنشق عن صف الإجماع السائد وقتها القائل بوجود خصوصية مفترضة للظاهرة الصهيونية بتعام يجعلها مقرونة كظاهرة بالإبادة المقترفة من قبل النازية، وعلى نحو يعفيها من تصنيف طبيعتها كظاهرة إستعمارية. وكان هذا التعامي عن طبيعة الأمة الإسرائيلية أحد أسباب القطيعة التي حدثت في علاقة دولوز بصديقه ميشيل فوكو.

وتتمثل وظيفة مفهوم ماكينة الحرب،و فيما يتجاوز الحالة الفلسطينية، في التفكير في الوسائل المكونة لجهاز دولة حمال للبيروقراطية وللإستعباد في المجتمع الحديث. بحيث يتموضع كمفهوم في موقع القلب من التفكير حول حياة الجماعات المتسمة بنمط وجود، لا يعدو كونه وجودا عابرا[ومؤقتا دائما]، والتي لا تنفك تضع نفسها بإستمرار موضع تساؤل، على نحو ما يزعمه العلاج النفسي المؤسساتي من سعي لإخضاع المؤسسة نفسها للعلاج الإكلينيكي في الوقت عينه الذي يضطلع فيه بعلاج مرضاها. وينطوي هذا المفهوم أيضا على فكرة تفادي خيبة كل مساعي التحويل الإجتماعي ضمن ثورات مغدورة، ومسطو عليها. إذ من شأن العمل على مضاعفة ماكينات حرب في وضعية برانية ،أن يشكل ،من هذا المنظور، ضمانا لإنوجاد قوى موازنة ذات دورفعال في تجنب خطرالوقوع في مثل هذه المزالق. يتعلق الأمر إذن بمكاثرة،ومضاعفة هلذا النوع من ماكينات الحرب البرانية الوضع إلى مالانهاية، بما يفقد المؤسسات الرسمية المتصلبة والمتكلسة مبرر وجودها لفائدة قيام شبكات جزيئية (=ميكروسكوبية).وليس من شأن ملاحظات وتحاليل الإثنولوجي بيير كلاستر، إلا تثمين أطروحات كل من دولوز وغاطاري

حيث يبرز،بيير كلاستر في كتابه،”المجتمع ضد الدولة”، وخلافا للخطاطات التطورية، بان الدولة ليست حاصل تطور قوى الإنتاج ولاهي نتاج تباين القوى السياسية. فماكينة الحرب بحسب دولوز وغاطاري،مرتبطة في وجودها، إرتباطا جوهريا بالترحال، وبتنقلها،بسرعتها المفترضة،بفضاء مكاني ممتد ،وأملس

وبلاتقسيمات،ولامعالم حيث يمكنها التحرك ضمنها بحرية دون أن تحدها إرغامات أو أكراهات.

وفي الأخير، ستخلف حرب العراق في نفس دولوز نقمة جدرية حدت به إلى المبادرة رفقة روني شيرر؛زميله بجامعة باريس الثامنة إلى إصدارنص بيان في غاية القسوة، نددا فيه بماسمياه :”الحرب القذرة” لتدمير أمة؛الأمة العراقية ،بذريعة تحرير الكويت من قبل بانتاغون، يقدم نفسه بوصفه “ذراعا لإرهاب دولة إفتعلت وإهتبلت هذه الحرب كفرصة سانحة لتجريب أسلحتها” وهو النص الذي أعيد نشره ضمن كتاب “نظاما حمقى”وفيه ينددان أيضا بموقف الحكومة الفرنسية المساند والمشارك ضمن قوى التحالف الذي خاض هذه الحرب القذرة ضد العراق: ” لاتفتأ حكومتنا تنافض تصريحاتها السابقة، لتتهافت أكثر فأكثر على المشاركة في حرب كانت قادرة على إيقافها.وهاهو بوش يهنئنا كما يهنئ خادمه المطيع”

Related posts
أنشطة فلسفية\الفلسفة بصيغة المؤنثالفلسفة للأطفالتربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةغير مصنففلسفةمحاضرات

سؤال حارق عن تثمين حركة الجسد وتهميش حركة الفكر

أنشطة فلسفية\الفلسفة بصيغة المؤنثالفلسفة للأطفالتربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةغير مصنففلسفةمحاضرات

ما الوجود؟ من نحن اليوم؟ واذا سنكون غدا؟

أنشطة فلسفية\الفلسفة بصيغة المؤنثالفلسفة للأطفالتربية وتعليمترجمةديداكتيك تدريس الفلسفةغير مصنففلسفةمحاضرات

من التسامح الدِّيني إلى الحقوق الثقافيَّة

الفلسفة بصيغة المؤنثغير مصنف

تفكير في "المسألة النسوية"(1) مع ابن رشد

Sign up for our Newsletter and
stay informed