COUUA

جيجيك: أقلّ من لا شيء: هيجل وظلّ المادية الجدلية

يقع هذا الكتاب في ألف وتسع وأربعين صفحة، وقد استقبله النقاد بوصفه المحاولة الأكثر جدية في المسيرة الفكرية لسلافوي جيجك لبناء منظومة فلسفية متكاملة. وصفه بيتر أوزبورن في مجلة الفلسفة الراديكالية بأنه المسعى الصريح للترشح لتاج الفلسفة القارية الثقيل، في حين رأى توم آيرز في مجلة ماركس والفلسفة أنه كان يُروَّج باعتباره قراءةً مستدامةً وجادةً لهيجل، الحبّ الفلسفي الأول المُعلَن لجيجك. وقد وصفه جوناثان ريي في صحيفة الغارديان بأن هيجل فيه يبدو وكأنه أدرك أكثر من أي مفكر آخر كيف تحمل حقائقنا بذور الأخطاء والأوهام التي تنبثق منها. والكتاب في جوهره بيانٌ أنطولوجي مكتمل يُعيد رسم خريطة الفكر القاري المعاصر، تتقاطع فيه المثالية الألمانية والتحليل النفسي والمادية الجدلية في بنية فكرية متشابكة ومتماسكة.

أولاً: الأطروحة المركزية

تنطلق مقدمة الكتاب المعنونة بـ”ومع ذلك فهي تتحرك” من صفحتها الرابعة، وهي العبارة المنسوبة إلى غاليلو حين أُجبر على التراجع عن نظرية دوران الأرض، وقد اختارها جيجك شعاراً دالاً على مفارقة الحقيقة التي تؤكد نفسها حتى حين يُكره الإنسان على إنكارها علناً. والمعنى الفلسفي العميق الذي يستثمره جيجك في هذه العبارة هو أن الحقيقة الرمزية العميقة تظل تُحرّك الذات حتى في غياب السند الميتافيزيقي، تماماً كما تظل فكرة الإله محرّكةً للإنسان حتى حين يؤمن بانعدامها، وهو ما يُكشف عنه مبدأ المادية الجدلية.

يُؤسِّس جيجك في هذه المقدمة قلباً راديكالياً للمعادلة الأنطولوجية التقليدية، إذ بدلاً من السؤال اللايبنتسي الكلاسيكي عن لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء، يطرح أن الأشياء تتحرك ليس لأن الواقع في حالة فائض مقارنةً بمجرد العدم، بل لأن الواقع هو أقل من لا شيء. هذه الصياغة ليست لعباً لفظياً، بل هي استعادة لمصطلح الدِّن الذي ينسبه جيجك إلى ديموقريطس، ذلك الفراغ السابق على الوجود المادي الذي يجعل الحركة ممكنة ويصف الواقع بأنه ما زال في نطاق العدم. والواقع لكونه ناقصاً على هذا النحو يحتاج إلى الخيال ليكمل فراغه ويخفي خلوّه، وهو ما يُقابله في المنظومة اللاكانية موضوع الرغبة الصغير، أي تلك البقية غير القابلة للقسمة التي تتخلف عن النفي المزدوج وتثير الرغبة دون أن تشبعها.

ثم يُبني جيجك في الصفحة السادسة ما يسميه دليل المعتوه إلى هيجل، مستعيناً بثلاثية مفاهيمية مستلهمة من لاكان تُميِّز بين ثلاثة أنماط من الوعي بالآخر الكبير، أي النظام الرمزي الذي لا يوجد إلا من خلال إيمان الذوات به. الأحمق الذي يقع خارج المنظومة الرمزية ويفتقر إلى الروابط السياقية الضمنية فيقول ما لا ينبغي قوله، كالطفل الذي يصرّح بعري الإمبراطور. والمغفّل الذي يغوص في تلك المنظومة حتى التطابق فيُصدّق ظواهرها ومنطقها السائد تصديقاً تاماً. والمعتوه الذي يقع بين البين فيدرك الحاجة إلى الآخر الكبير لكنه لا يثق به، ويعرف أنه غير متسق وغير موجود ككيان مستقل يضمن الحقيقة من الخارج. ويُقدّم جيجك كتابه صراحةً باعتباره عملاً يتبنى موقف المعتوه، الذي هو في نظره جوهر الموقف الذاتي للمحلل النفسي وللثوري الجذري معاً.

وتقوم الأطروحة المزدوجة للكتاب على مسعيين متشابكين: أولهما إثبات أن هيجل فيلسوف اللااكتمال الأنطولوجي لا الكلية المغلقة، وثانيهما استعادة مفهوم الدافع بمعناه التحليل-نفسي، وهو الفجوة ما قبل المتعالية التي تُشكّل جوهر الذاتية الحديثة والبعد المفقود في التيارات الفلسفية المعاصرة.

الجزء الأول، الشراب قبل

يبدأ الفصل الأول المعنون بـ”تذبذب أشباه الحقائق” من الصفحة الحادية عشرة، ويستهله جيجك بمفارقة فيتجنشتاين حول الصمت عما لا يمكن قوله، ليطبّقها على تمثيل الكارثة التاريخية الكبرى في الفن والأدب، إذ يرى أن الخيال هو الوسيلة الوحيدة لنقل الحقيقة الصادمة التي تعجز التقارير الوثائقية عن وصفها كاملةً. وهنا يُؤكد على مقولة لاكان المحورية بأن الحقيقة لها بنية الخيال، فالحقيقة حين تكون مؤلمة جداً لا يمكن مواجهتها إلا من خلال قناع خيالي يحميها من التبدد.

ثم يُجري جيجك قلباً للأفلاطونية على طريقة ديلوز لكن من منظور مادي-جدلي. فالفكرة الأفلاطونية ليست كياناً متعالياً يختبئ خلف المظاهر، بل هي المظهر بما هو مظهر، أي المظهر الذي يُعلن عن نفسه كقشرة فوق فراغ لا كانعكاس لجوهر أعمق. والمُثُل ليست حاضرة في مكان آخر بل هي ما تقترب منه العمليات المادية الزمكانية دون أن تبلغه أبداً، وهو ما يقاربه مفهوم الجاذب الرياضي. وبهذا يتمحور التحليل حول مفهومين متلازمين: الفجوة المنظورية التي تعني أن الحقيقي ليس جوهراً مخفياً بل الفجوة ذاتها التي تمنع الهوية من التطابق مع نفسها، وما قبل الأنطولوجي عبر مفهوم الدِّن الديموقريطي الذي يصف الفراغ السابق على تشكّل الوجود. وشبه الحقيقة أو المظهر ليس مجرد خداع، بل هو قناع يُغطي لا شيء، وظيفته خلق وهم بأن ثمة شيئاً مخفياً تحته، وهو بالضبط ما يمنح الواقع ثباته الظاهري.

ويقرأ جيجك محاورة بارمنيدس الأفلاطونية بوصفها مصفوفة صورية يكون فيها الفشل في الوصول إلى نتيجة متسقة هو النتيجة ذاتها، كاشفاً أن الواحد والعدم متلازمان وأن المادية الجدلية تبدأ من الاعتراف بأن العدم موجود بقدر وجود الوجود. ويربط جيجك الفراغ الأنطولوجي بالذات المشطوبة عند لاكان، معتبراً أن الذات ليست كائناً بل هي تلك الفجوة أو ما لا يمكن قوله داخل النظام الرمزي. ويستشهد بانتفاضة ميدان التحرير عام 2011 ولوحة بيكاسو “امرأة ترمي حجراً” كشواهد على كيف يحمل التشويه البلاستيكي فكرة الشيء بدقة تفوق المحاكاة الواقعية.

ثم يأتي الفصل الثاني المعنون بـ”حيث لا يوجد شيء، اقرأ أني أحبكِ” من الصفحة التاسعة والسبعين، ويتمحور حول المسيحية بوصفها التحول الأنطولوجي الجذري الذي يجعل الإلحاد الحقيقي ممكناً. يطرح جيجك تساؤلاً حول طبيعة المسيحية، مستعرضاً فكرة أن سقوط الإنسان كان ضرورياً لكي يأتي المسيح ويخلصه، مما يضع الذات الإلهية في موقف متناقض يراقب فيه المعاناة الإنسانية لتحقيق مجده الخاص. وهذا التوتر الداخلي في اللاهوت المسيحي هو بالضبط ما يجعله في نظر جيجك أكثر الأديان قرباً من المادية الجدلية.

وتتركز القراءة على صرخة المسيح على الصليب “إلهي إلهي لماذا تركتني”، وهي عند جيجك ليست أزمة وجدانية بل اللحظة التي يواجه فيها الإله نفسه غياب الضمانة المطلقة. موت الإله هو موت الآخر الكبير اللاكاني، أي إعلان بأن النظام الرمزي الكبير لا يعلم وليس موجوداً ككيان مستقل. والروح القدس ليست شخصاً ثالثاً في الثالوث بل الواقع الافتراضي للجماعة المؤمنة، مما يعني نقل الألوهية من المتعالي إلى الرابط الإيماني بين البشر. والمسيح على الصليب ليس ظهوراً سامياً بل بقية محرجة تشغل موضع المحلل النفسي الذي لا يُقدّم إجابات. ومن هنا يشتق جيجك مقولته الأثيرة عن الإلحاد المسيحي: الإلحاد الحقيقي ليس إنكار وجود الله من الخارج، بل الإدراك الداخلي بأن الله نفسه توقف عن الإيمان بنفسه على الصليب.

وفي هذا السياق يستعرض جيجك المبدأ الأخلاقي اللاكاني “لا تساوم على رغبتك”، موضحاً أن الخيانة الوحيدة هي التخلي عن الدافع أو الرغبة التي تُحدد هوية الذات. كما يرفض الاختزال البوذي للرغبة كمعاناة يجب التخلص منها، مؤكداً على الدافع بوصفه قوة إيجابية تستمر في التحرك حتى بعد تجاوز الأوهام الفردية، خلافاً لما يُسمح به في التقاليد الروحية الشرقية التي تجعل من إطفاء الرغبة هدفها الأسمى.

ويتناول الفصل الثالث المعنون بـ”خيار فيشتيه” من الصفحة الثالثة والخمسين والمائة جدلية الأنا وأصل الذات الهيجلية. يقرأ جيجك فيشتيه باعتباره الجسر الحاسم نحو هيجل، إذ أن ما يسميه “خيار فيشتيه” ليس تفضيلاً نظرياً بين المادية الدوغمائية والمثالية بل قرار وجودي يعتمد على نوع الإنسان الذي يختاره المرء لنفسه. وتتمثل الإسهامات الفيشتية الكبرى في تحويل “الشيء في ذاته” الكانطي إلى مفهوم العائق، وهو ليس خارجياً تماماً بل جسم غريب غير قابل للاستيعاب في قلب الذات نفسها. والذات الفيشتية تُعرَّف بوصفها فشلاً في التحقق، فالفجوة بين المعرفة والواقع ليست عجزاً إبستمولوجياً فحسب بل انعكاس لعدم اكتمال الواقع ذاته. وهذه الفجوة هي ما يربطها جيجك بالوعي الذاتي الذي ليس شفافاً أو مكتملاً بل قائم على تعثر بنيوي في المعرفة. وهكذا تُصاغ المعادلة الهيجلية الكبرى، أن الجوهر هو أيضاً ذات، انطلاقاً من مأزق فيشتيه لا من خارجه.

الجزء الثاني، الشيء نفسه هيجل

يُفتتح الفصل الرابع المعنون بـ”هل لا يزال ممكناً أن نكون هيجليين اليوم؟” من الصفحة الثانية والثلاثين والمائتين، ويردّ جيجك فيه على النقد النيتشوي-المضاد لهيجل مُوضِّحاً أن فلسفة هيجل لا تعني قبول الواقع كما هو، بل فهم الضرورة الكامنة فيه والكشف عن التناقضات التي تحرّكه. وينطلق من مقولة هيجل الشهيرة عن بومة مينيرفا، أي أن الفلسفة لا تبدأ عملها إلا عند الغروب، مما يعني أن الفهم الفلسفي يأتي دائماً بعد اكتمال الحدث التاريخي وليس استشرافاً للمستقبل. ويُميِّز جيجك بين مفهومين حاسمين: الإمكانية التي تتعلق بتحقيق احتمالات محددة سلفاً ضمن قوانين قائمة، والافتراضية الهيجلية التي تتعلق بظهور شيء جديد تماماً لم يكن له مكان في مجموعة الاحتمالات السابقة. ويرى أن هيجل هو في الحقيقة فيلسوف الافتراضية لأن الحدث الهيجلي يخلق إمكانية حدوثه في لحظة وقوعه. وكون المرء هيجلياً اليوم لا يعني اتباع مذهب حرفي، بل تبني المنهج الجدلي في تحليل تناقضات الرأسمالية والذاتية المعاصرة.

أما الفصل الخامس المعنون بـ”التراصف: أشكال العملية الجدلية” المبتدئ من الصفحة الثالثة عشرة والثلاثمائة فيُعيد تأسيس مفاهيم الجدل الهيجلي من جذورها، ويفتح بإعادة اعتبار لمرحلة الفهم التي تسبق العقل عند هيجل. فبينما يميل كثيرون لاختزال الجدل في كليات مرنة، يؤكد هيجل أن القوة الحقيقية للفكر تكمن في القدرة على التجريد وتثبيت المفاهيم بصرامة، وأن الفهم هو قوة متأصلة في صلب الواقع نفسه تمزق الوحدات العضوية لا مجرد تجريد ذهني خارجي.

ويتناول جيجك التمييز الكانطي بين الشيء في ذاته وما يظهر لنا، مُوضِّحاً أن هيجل يتجاوز هذا الفصل عبر اعتبار أن الفجوة التي تمنعنا من معرفة الشيء هي في الحقيقة شرخ موجود داخل الشيء نفسه لا في ملكاتنا المعرفية. وهكذا يحتل مفهوم نفي النفي موقعاً مركزياً، إذ يرفض جيجك قراءته بوصفه عودة للأصل أو توليفاً توفيقياً. فنفي النفي هو اللحظة التي تدرك فيها الذات أن العائق أو الفشل الأولي هو في الحقيقة شرط إمكانية الوجود نفسه، وأن إدراكنا لعدم اكتمال الحقيقة هو بحد ذاته الحقيقة الكاملة. ويستشهد جيجك بالحرية البرجوازية التي يكشف نفي نفيها أن اللاحرية هي النتيجة الفعلية للممارسة المباشرة للحرية القانونية، وبالإرهاب اليعقوبي في الثورة الفرنسية، وبمقولة بردون “الملكية هي سرقة”.

ويُشدد جيجك على أن الشكل ليس مجرد وعاء خارجي للمحتوى، بل هو العملية التي تُنتج المحتوى وتمنحه معناه الجدلي. ويتناول فكرة النفي الخالص الذي لا يهدف للوصول إلى تركيب جديد ومستقر بل يظل في حالة توتر دائمة، وهو ما يربطه بمفهوم الدافع في التحليل النفسي. والعقل ليس ملكة منفصلة تضيف توليفاً لاحقاً، بل ما يفعله الفهم بمجرد طرح أوهامه التأسيسية.

وبين هذا الفصل والتالي يقع الفاصل الأول، وفيه يتأمل جيجك مسألة ماركس قارئاً لهيجل وهيجل قارئاً لماركس، مبيّناً كيف أن نقد الاقتصاد السياسي عند ماركس متجذر في المنطق الهيجلي، وأن الرأسمالية الافتراضية المعاصرة هي التي حققت “مفهوم” هيجل، حيث يتحول رأس المال إلى ذات أوتوماتيكية تتحرك وفق منطقها الداخلي الخاص.

ويتعمق الفصل السادس المعنون بـ”ليس كجوهر فحسب، بل كذات أيضاً” المبتدئ من الصفحة الثالثة عشرة والأربعمائة في الأطروحة المركزية لهيجل حول طبيعة المطلق. فالحقيقة ليست مجرد جوهر ثابت أو كيان خارجي ندرسه، بل هي عملية تتضمن الذات كجزء أساسي من تكوينها. ويستخدم جيجك مقارنة بصرية طريفة بين سبينوزا وهيجل: فبينما يرى سبينوزا العالم كجوهر واحد ثابت مثل لقطة ثابتة، يُدخل هيجل الذات التي تُحدث شرخاً في هذا الجوهر تجعل المشاهد جزءاً من الحدث لا متفرجاً عليه. والذات الهيجلية ليست نفساً أو كياناً روحياً، بل هي الفراغ أو السلب الذي يظهر داخل الجوهر عندما يحاول الانغلاق على نفسه، والإنسان بوصفه الحيوان الذي قُطعت صلته بالطبيعة عبر اللغة والتفكير يعيش في حالة دائمة من الاغتراب عن جوهره الطبيعي.

والكلية الملموسة ليست حاوية تجمع الأجزاء بل حركة تنبثق من الجزئية المعطّلة، وتظهر الكلية عبر عنصر ليس له مكان في النظام كما في حالة الرعاع أو الغوغاء عند هيجل، وهو الفائض الذي يولّده النظام العقلاني ولا يستطيع احتواءه بالكامل. وأما المعرفة المطلقة فيقلب جيجك سوء الفهم التقليدي الذي يراها إحاطة كلية، ليقدمها بوصفها الاعتراف بالمحدودية المطلقة، أي النقطة التي تدرك فيها الذات أن الفشل في الوصول إلى الحقيقة النهائية هو بحد ذاته هيكل الحقيقة.

ويقع بين هذا الفصل والتالي الفاصل الثاني الذي يدور حول “الملك والغوغاء والحرب”، مستعرضاً كيف أن النظام الهيجلي يولد فائضاً لا يمكن للمجتمع العقلاني احتوائه. ثم يأتي الفاصل الثالث ليتناول مقارعة فوكو ودريدا في تأويل تاريخ الجنون وعلاقته بالكوجيتو الديكارتي، إذ تكشف هذه المقارعة عن السجال المستمر حول طبيعة العقل وحدوده وما يقع خارجه.

ويستكمل الفصل السابع المعنون بـ”حدود هيجل” المبتدئ من الصفحة الرابعة عشرة والخمسمائة الرحلة في الجزء الهيجلي برصد المواضع التي يبلغ فيها النسق تخومه. يوضح جيجك أن الضرورة عند هيجل ليست قدراً محتوماً، بل هي النتيجة التي تظهر بعد وقوع الأحداث العشوائية، حيث يقوم العقل بربط المصادفات معاً بأثر رجعي لتبدو وكأنها كانت ضرورية. وتبرز حدود النسق في خمسة مواضع: فاللاوعي الهيجلي يبقى صورياً مرتبطاً بعدم شفافية الروح لنفسها دون أن يبلغ اللاوعي اللاكاني المرتبط بالكلام الوليد وزلات اللسان. والتكرار يظل عند هيجل مرتبطاً بأداة الرفع، أي الإلغاء الذي يحفظ الشيء في مستوى أرقى، ولا يستوعب التكرار المحض الذي يُظهره دافع الموت اللاكاني كحركة دائرية حول فجوة لا نقص. والجنسانية عند هيجل تتأخلق عبر الزواج بينما ينكشف عند لاكان فائضها غير الطبيعي كصدع في النظام الرمزي. والرعاع عنصر يتبقى دون مكان في الدولة العقلانية الهيجلية فاتحاً الباب للصراع الطبقي. وأخيراً الحرب والسلبية المطلقة تبقى عند هيجل صماماً خارجياً بينما تتطلب المادية الجدلية ثورة داخلية دائمة. ولكن حدود هيجل هذه ليست عيوباً بل هي المساحات التي ينفتح فيها فكره على التحليل النفسي المعاصر وعلى المادية الجدلية الحديثة.

الجزء الثالث، الشيء نفسه لاكان

يفتتح الفصل الثامن المعنون بـ”لاكان كقارئ لهيجل” من الصفحة الثالثة عشرة والستمائة بأطروحة جوهرية مفادها أن المحلل اللاكاني يجسّد دهاء العقل الهيجلي عبر حياده التحليلي، إذ لا يفرض الحقيقة من الخارج بل يترك المريض يواجه تناقضات خطابه الداخلي. ويرى جيجك أن لاكان اعتبر هيجل الفيلسوف الذي اقترب بشدة من اكتشاف اللاوعي، خاصة في حديثه عن الروح كعملية تتجاوز الوعي الفردي، وأن ما يسميه هيجل الوعي الذاتي يحتوي دائماً على فجوة هي اللاوعي بمفهومه التحليل-نفسي.

والحقيقة كما في الديالكتيك الهيجلي شيء يُعثر عليه في الفجوات والإخفاقات، في زلات اللسان والأعراض لا في الملفوظات المتماسكة. ويستشهد جيجك بمثال السلطة القانونية: حتى لو كان القاضي فاسداً شخصياً فإن القانون يتحدث من خلاله طالما يرتدي قناع المؤسسة، وهو ما يكشف عن الطابع الإجرائي للآخر الكبير المستقل عن أصحابه. ويتضمن الفصل فاصلاً يدور حول “الاستدانة من المستقبل وتغيير الماضي”، موضحاً كيف أن العملية الرمزية تعيد كتابة تاريخ الذات بأثر رجعي، وهو ما يتطابق بنيوياً مع الديالكتيك الهيجلي في فهمه للضرورة الرجعية.

ثم ينتقل الفصل التاسع المعنون بـ”التواثق والفرق الخالص” من الصفحة الثالثة عشرة والسبعمائة إلى ثلاثة مفاهيم مفتاحية متشابكة. يناقش جيجك أولاً كيف ينتقل النظام الرمزي من مجرد شبكة من الاختلافات كما في لسانيات سوسير إلى نظام يتمحور حول الدال الفالوسي كعنصر يمنح الاستقرار للمعنى. فالتواثق بصياغة جاك-آلان ميلر هو العملية التي يتم بها عدّ الصفر كواحد، أي تحويل غياب التحديد إلى تحديد إيجابي، والذات في هذا الإطار ما هي إلا أثر النقص في البنية تُخلق في اللحظة التي تخيط فيها اللغة فجوات الواقع. والدال الفالوسي ليس رمزاً للقوة بل دال النقص ذاته الذي يسند النظام الرمزي كله عبر تمثيله للفجوة. أما الفرق الخالص فليس فرقاً بين شيئين موجودين بل فرق يسبق المصطلحات التي يفرق بينها، والهوية لا تقوم على جوهر ثابت بل على فرق خالص لا يشير إلى أي محتوى إيجابي. ويستشهد جيجك هنا بصمت المؤلف الموسيقي سيبيليوس الذي يصبح فيه الصمت عنصراً دالاً يتجاوز غياب الصوت ليصبح حقيقة موسيقية قائمة بذاتها، وبمقطوعة شومان التي يُكتب فيها صوت داخلي لكنه لا يُعزف أبداً، وهذا الغياب بالذات هو ما يمنح المقطوعة بنيتها الكاملة.

ويتضمن الفصل فاصلاً حول نقد كوينتين مياسو للفلسفة ما بعد الكانطية، يدافع فيه جيجك عن قدرة التحليل النفسي على ملامسة الواقع المطلق خارج حدود الارتباط بين الفكر والوجود. ويقع كذلك الفاصل الرابع الذي يُعالج الفن التجريدي عند عدد من التشكيليين الكبار بوصفه ممارسةً هيجلية للنقد الذاتي للوسيط.

ويُكرّس الفصل العاشر المعنون بـ”الأشياء، الأشياء في كل مكان” من الصفحة الثالثة عشرة والثمانمائة تحليلاً لموضوع الرغبة الصغير في هيجل، مجادلاً بأن هذا المفهوم اللاكاني موجود بالفعل في فلسفة هيجل، وتحديداً في فكرة أن المطلق يحتاج إلى نقص داخلي لكي يتحقق. فالواقع الخارجي ليس سوى انعكاس للفراغ الموجود في الفضاء الداخلي للذات، والشيء الذي نبحث عنه في الخارج هو في الحقيقة الفجوة التي تشكّل وعينا. وموضوع الرغبة الصغير ليس كياناً إيجابياً موجوداً في الواقع بل هو فجوة أو نقص في قلب الجوهر يمنحه طابعه الذاتي.

ويتجلى موضوع الرغبة الصغير في أربعة أنماط: الطرح كما في رواية “العطر” لزوسكيند حيث يُدمَّر الموضوع المادي للوصول إلى سبب الرغبة. والإطالة كما في سينما تاركوفسكي التي تمد الحدث إلى ما وراء نقطة الملل. والإعاقة كما في شخصية قاتل متسلسل بارد في رواية أميركية شهيرة بوصفها قدراً أعمى. والتدمير كما في حالة المنكسرين في معسكرات الاعتقال حيث ينهار الواقع بمجرد فقدان موضوع الرغبة. ويُضاف إلى ذلك تمييزان لاكانيان حاسمان: النظرة التي ليست ما تراه الذات بل النقطة العمياء في الشيء التي تنظر إلينا، والصوت المنفصل عن الجسد الذي يحمل بنية الخوف والرعب.

وبين هذا الفصل والتالي يقع الفاصل الخامس الذي يعود إلى كاثرين مالابو ومفهوم اللدونة العقلية التي تشير إلى قدرة العقل على اتخاذ شكل معين وتدميره في آن، وهو مفهوم يحمل أبعاداً هيجلية ولاكانية في آن واحد.

ويختتم هذا الجزء الفصلُ الحادي عشر المعنون بـ”الليس-كلّاً، أو أنطولوجيا الاختلاف الجنسي” المبتدئ من الصفحة الثالثة عشرة والتسعمائة. يجادل جيجك بأن الاختلاف الجنسي ليس مجرد اختلاف بيولوجي أو ثقافي بل هو شرخ أنطولوجي في صلب الواقع نفسه، وأن الجنسانية ليست قائمة على التكامل بين الذكر والأنثى بل على فشل بنيوي في العلاقة بينهما. فالجانب الذكوري يعمل وفق منطق الكل والاستثناء حيث لكل فئة كلية استثناء مؤسِّس هو الأب البدائي الفرويدي الذي يمثل السلطة المطلقة خارج القانون. أما الجانب الأنثوي فيعمل وفق منطق الليس-كلاً الذي يمثل غياب الاستثناء، إذ لا يوجد حد خارجي يحدد المجموعة مما يجعل الأنثى منفتحة على اللامتناهي وغير مقيدة بالكامل بالقانون الرمزي. ومن هنا تأتي مقولة لاكان الشهيرة “المرأة لا توجد” ليس بمعنى سلبي بل بمعنى أنها تمثّل الفجوة التي تمنع النظام الرمزي من الانغلاق على نفسه. والاختلاف الجنسي ليس اسمياً أي ليس مجرد تسمية اجتماعية، بل هو واقعي يسبق اللغة ويشكّل فجوة لا يمكن ردمها. و”عدم وجود علاقة” هو بالضبط ما يدفع البشر للتواصل الدائم ومحاولة سد هذه الفجوة عبر الحب والخيال.

ويقع في هذا الموضع الفاصل السادس الذي يتضمن نقداً للعلوم المعرفية، يتساءل فيه جيجك إن كانت تمثّل ثورات حقيقية في فهم العقل أم محاولات لإنقاذ نماذج بائدة عبر إدراجها في أطر جديدة.

الجزء الرابع، السيجارة بعد

يفتتح الفصل الثاني عشر المعنون برباعية الإرهاب والقلق والشجاعة والحماسة من الصفحة الثالثة عشرة وألف نقداً صريحاً لأخلاقيات إيمانويل ليفيناس القائمة على “الوجه” ومسؤولية الضعف. يرى جيجك أن هذه الأخلاقيات تُفضي إلى قسوة أنا-عُلوية تجعل الذات رهينة للآخر في شعور بالذنب لا يُشبَع، وأنها تختزل الجار في صورة الضحية الشفيقة بدلاً من الاعتراف ببعده اللاإنساني المخيف. ويُفضّل عليها نموذج آلان باديو القائم على الوفاء لحدث الحقيقة، ويصوغ رباعية أنثربولوجية تنتقل من الفرد الساعي للذة والمصالح النفعية، إلى الإنسان الذي يدرك هشاشته وموته، إلى الذات التي تتجاوز مبدأ اللذة بالوفاء البطولي للحدث، إلى الجار بوصفه الهاوية غير الإنسانية المُقلقة التي لا يمكن اختزالها في وجه شفيق.

وتبرز في هذا الفصل أيضاً مقارعة جيجك للمنظومة الأخلاقية المبنية على الضعف والضحية، مجادلاً بأن الصمود الحقيقي لا يقوم على الاعتراف بالألم بل على الوفاء لمبدأ يتجاوز حسابات الحياة والموت.

ثم يأتي الفصل الثالث عشر المعنون برباعية النضال والتاريخانية والإرادة والسكينة بمقارعة صريحة لمفهوم السكينة الهايدغري، وهو حالة ترك الأشياء لتكون كما هي معالجةً لميتافيزيقا الإرادة. يوضح جيجك الفروق الجوهرية بين لاكان وهايدغر: فبينما يركز هايدغر على الوجود يركز لاكان على الدال والفجوة في الوجود. وفي نقده لهايدغر من منظور هيجلي يرى جيجك أن هيجل قدم فهماً أكثر عمقاً للتناقض والذات، وأن ما يسميه هايدغر ميتافيزيقا الإرادة هو في الحقيقة ما يحتاج إليه التفكير الجدلي لا ما يجب التخلص منه.

ويقتبس جيجك لاكان في مقابل مقولة هايدغر “اللغة مسكن الوجود” بصياغة مقلوبة: اللغة بيت التعذيب، لأن الإنسان يُعذَّب باللغة التي تقطع صلته بالطبيعة وتفرض عليه نقصاً دائماً. ويتناول الانتقال من مفهوم الإرادة التي تهدف لغاية إلى مفهوم الدافع الذي يكرر نفسه حول فجوة، وهو ما يمثل لب الوجود الإنساني. ويجادل بأن التاريخ ليس مجرد سلسلة أحداث بل هناك نواة أو صدمة تظل ثابتة تدفع التاريخ للتحرك. ويختم بالربط بين المفهوم الروحي للسكينة وبين الصراع الطبقي كممارسة سياسية تنبع من إدراك الفجوة في النظام الرمزي. ولإنقاذ هايدغر من النازية يحتاج المرء إلى مزيد من الإرادة والنضال وقليل من السكينة.

ويُمثّل الفصل الرابع عشر المعنون بـ”أنطولوجيا فيزياء الكم” أحد أكثر الفصول طموحاً، إذ يستثمر جيجك ميكانيكا الكم في بناء مادية جدلية معاصرة. فالفجوات الكمية ليست قصوراً إبستمولوجياً في قدرتنا على القياس بل سمة أنطولوجية في صلب الشيء في ذاته. وانهيار الدالة الموجية يعمل عند جيجك كغرزة لاكانية تضمن اتساق الحقل الكمي، إذ القياس يُدرج الذات داخل السلسلة الرمزية للحقيقة ويُعيّن موضعها فيها. وما يسميه “المعرفة في الواقع” يعني أن الجسيمات تتصرف وكأنها تعرف القوانين التي يجب أن تطيعها أو تتحايل على النظام ما دام الفعل لم يُسجَّل. وبوزون هيغز يعمل عند جيجك موضع الرغبة الصغير في الفيزياء، عنصر مادي يمثل الفجوة بين العدم والوجود. وكما أن القياس المتأخر في تجربة الشق المزدوج يُغيّر طبيعة الماضي رجعياً كذلك يُعيد الحدث الهيجلي تشكيل شروط إمكانيته بأثر رجعي، وهو تطابق بنيوي عميق بين فيزياء الكم والديالكتيك. ويدعو جيجك صراحةً إلى إعادة كتابة مؤلَّف لينين في المادية والنقد التجريبي، متخلياً عن تصور الواقع المادي ككل مكتمل خارج العقل.

تختتم رحلة الكتاب في صفحاته الأخيرة بمفهوم الفعل السياسي السحيق: غياب الآخر الكبير يعني أن أي صرح أخلاقي يفتقر إلى الضمانة الخارجية، ولذا يجب أن يستند إلى السياسة لا العكس. ويحدد جيجك خصمين رئيسيين: المادية الديمقراطية التي لا ترى إلا أجساداً ولغات وتكتفي بواقعية الاستمتاع الخاص عاجزةً عن إنتاج كلية تحررية، والروحانية التي تسعى لاستعادة بُعد متعالٍ يُعيد الضمانة من الباب الخلفي. ضد الاثنين يقترح جيجك المادية الجدلية التي تُركّز على الاستغلال الاقتصادي لا على الهيمنة الخطابية، وتقترح يوتوبيا المنبوذين ورباعية سياسية جديدة من الشعب والحركة والحزب والقائد. ويرى أن البطالة الهيكلية في الرأسمالية العالمية تُنتج رعاعاً معاصرين هم وكلاء التحرر المحتملون، أي الجزء الذي لا جزء له في المنظومة الاجتماعية والذي يجسّد حقيقتها الكلية بكونه مستبعداً منها.

يمكن الإمساك بالأطروحة الكلية للكتاب عبر خمسة محاور متشابكة: هيجل ليس فيلسوف الكلية المغلقة بل فيلسوف اللااكتمال الأنطولوجي، والواقع أقل من لا شيء يحتاج إلى الخيال ليكمل فراغه. ولاكان ليس قطيعة مع هيجل بل مُكرِّر وفي له يُكمل ما يقف عند تخومه من التكرار والدافع والجنسانية والجار. والمادية الجدلية الحقيقية ليست مذهباً ميتافيزيقياً في طبيعة المادة بل اعتراف بالفجوة البنيوية في الواقع والذات معاً. وفيزياء الكم هي الحليف العلمي المعاصر لهذه المادية لا التحدي الذي يقوّضها، إذ تكشف بمعطياتها التجريبية عن البنية الأنطولوجية ذاتها التي يصفها الجدل الهيجلي. والسياسة الجذرية ممكنة وضرورية بالضبط لأن الآخر الكبير لا يوجد، فالفعل التحرري لا يحتاج إلى ضمانة أخلاقية مسبقة. ومن ثم يُعدّ هذا الكتاب لا مجرد دراسة في تاريخ الفلسفة بل بياناً فلسفياً يجعل هيجل لا نيتشه ولا هايدغر ولا ديلوز المحاوِر الأول للقرن الحادي والعشرين.

سلافوي جيجك، أقلّ من لا شيء: هيجل وظلّ المادية الجدلية، لندن ونيويورك: دار فيرسو، 2012. ألف وتسع وأربعون صفحة.

Exit mobile version