الفكر الضعيف عند جياني فاتيمو: من التأسيس الميتافيزيقي إلى الهرمينوطيقا التاريخية:
يُعدّ مفهوم «الفكر الضعيف» (Pensiero debole) أحد أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الفلسفة المعاصرة، وقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو. ولا يعبّر هذا المفهوم عن ضعفٍ في القدرة النظرية أو عن تخلٍّ عن التفكير الفلسفي، بل عن تحوّل جذري في معنى التفكير ذاته، وفي علاقته بالحقيقة، والتاريخ، والوجود.
أولاً: الفكر الضعيف والقطيعة مع التأسيس القوي
ينطلق فاتيمو من نقدٍ حاسمٍ لما يمكن تسميته بـ «الفكر القوي»: ذلك الفكر الذي يسعى إلى تأسيس المعرفة على مبادئ أولى، أو على أنساق كلية، أو على حجج استنتاجية صلبة تدّعي الشمول والضرورة. هذا النمط من التفكير، سواء في صيغته الميتافيزيقية الكلاسيكية أو في نسخته الجدلية الحديثة، يفترض وجود بنية عميقة ثابتة للوجود أو للتاريخ، يمكن للعقل أن يبلغها ويؤسس عليها خطابه.
في المقابل، يرفض الفكر الضعيف هذا الادّعاء التأسيسي، لا عبر تجاوزه أو نقضه جدليًا، بل عبر تفكيك منطقه من الداخل. وهنا يستعين فاتيمو بالمفهوم الهيدغري Verwindung، الذي لا يعني «التجاوز» (Überwindung)، بل الالتواء، أو التعافي، أو التحول غير القاطع. فالفكر الضعيف لا يقطع مع الماضي الفلسفي، بل يعيد قراءته بوصفه ماضياً حاضرًا (Gewesenes)، ماضٍ لا يزال يعمل فينا بوصفه قدرًا وتأويلاً.
ثانياً: الجدلية والاختلاف بوصفهما قدرًا تاريخيًا
لا يتخلّى الفكر الضعيف عن الجدلية وفكر الاختلاف، لكنه لا يتعامل معهما باعتبارهما أدوات نظرية خالصة أو خيارات عقلانية يمكن تبريرها من حيث المبدأ. فالجدلية والاختلاف، كما يؤكد فاتيمو، هما تواريخ قدرية نعود إليهما كلما شرعنا في التفكير «هنا والآن».
من هنا، لا يكون الانطلاق من الجدلية أو الاختلاف قرارًا نظريًا واعيًا، بل استجابةً لوضع تاريخي محدد. وهذا ما يجعل الفكر القوي – بخاصة في صيغته الاستنتاجية الصارمة – خطرًا، لأنه قد يفوّت «الخطوة الأولى» التي تُجرى فيها اللعبة الفلسفية: أي الوعي بالشروط التاريخية والثقافية التي تجعل التفكير ممكنًا أصلاً.
ثالثاً: التجربة اليومية بوصفها نقطة الانطلاق
يرفض فاتيمو، في إطار الفكر الضعيف، كل محاولة للعودة إلى شروط متعالية لإمكان التجربة، سواء عبر الاختزال الفينومينولوجي أو عبر الإيبوخيا التي تسعى إلى تعليق الانتماءات التاريخية واللغوية. فالتجربة التي يمكن للفلسفة أن تنطلق منها ليست تجربة مجردة أو كونية، بل هي التجربة اليومية، الأكثر استعمالاً، والمشبعة تاريخيًا وثقافيًا.
بهذا المعنى، لا توجد شروط «محايدة» أو «قبلية» للتجربة، بل توجد فقط شروط مؤهلة تاريخيًا. وهو ما يعبّر عنه هيدغر بفكرة أن الموجود هو دائمًا «مشروع مُلقى هناك». فالوجود لا يُعطى بوصفه بنية ثابتة، بل بوصفه وضعية تاريخية مفتوحة على التأويل.
رابعاً: التأسيس الهرمينوطيقي بدل التأسيس الميتافيزيقي
ينتهي هذا المسار إلى ما يسميه فاتيمو «التأسيس الهرمينوطيقي». فالتأسيس، إن كان لا بدّ منه، لا يمكن أن يكون تأسيسًا ميتافيزيقيًا صلبًا، بل تأسيسًا يقوم على التأويل، والمراجعة المستمرة، والانخراط في الأفق التاريخي القائم.
حتى المنطق الذي يسير وفقه الخطاب الفلسفي ليس منطقًا مجردًا أو كونيًا، بل منطقًا متضمَّنًا في الوضعية نفسها. أي أن قواعد التفكير، ومعاييره، ومفاهيمه، تتشكّل من داخل الشروط التاريخية–الثقافية التي يعيش فيها المفكّر.
ويضرب فاتيمو مثالًا دالًا على ذلك بالنقد الأدبي والفني، حيث لا توجد معايير ثابتة للحكم، بل تتغيّر القيم والتأويلات بتغيّر تاريخ الفن والذوق. هكذا يصبح التفكير الفلسفي أقرب إلى ممارسة تأويلية منه إلى بناء نسق مغلق.
خامساً: الجدلية في السياق الإيطالي المعاصر
إذا بدأنا التفلسف «هنا والآن»، في سياق الفلسفة الإيطالية المرتبطة بالفلسفة الأوروبية القارية، فإننا نصطدم حتمًا بمفهوم الجدلية بوصفه مفهومًا مهيمنًا وإشكاليًا في آن واحد. ولذلك يرى فاتيمو أن من «الصحيح هرمنيوطيقيًا» الإحالة إلى أعمال رمزية في هذا السياق، مثل «نقد العقل الجدلي» لسارتر، حيث ترتبط الجدلية بمفهومي الشمولية والإعادة.
غير أن الفكر الضعيف لا يقبل هذه الجدلية بوصفها منطقًا كليًا للتاريخ، بل يعيد تأويلها داخل أفق التفكك، والتعدد، وغياب الغاية النهائية.
إن الفكر الضعيف عند فاتيمو لا يدعو إلى العدمية السطحية ولا إلى الاستقالة من التفكير، بل إلى تواضع فلسفي جذري: تواضع يعترف بتاريخية الحقيقة، وبأن التفكير لا يبدأ من الصفر، ولا ينتهي إلى يقين نهائي. إنه فكر يقبل العيش في الهشاشة، وفي التعدد، وفي الانفتاح التأويلي، بوصف ذلك قدر الفلسفة في زمن ما بعد الميتافيزيقا.
