محمد الاشهب
32 كتابا بالألمانية في حوالي ١٢٠٠٠ صفحة
على إثر رحيل فيلسوف العقل التواصلي، يورغن هابرماس، نشرت نعياً على صفحتي و في الصحافة الرقمية، حرصت فيه على التوازن بين إنصاف الرجل لمكانته في تاريخ الفلسفة المعاصرة، وبين موقفي النقدي من رأيه بخصوص الإبادة الجماعية بغزة، والذي ترجمته وقت صدوره وحظي بمتابعة كبيرة. هذا الموقف المثير للجدل، الذي لم نقبله، جعل العديد من المعلقين على وفاته لا يميزون بين الموقف الفلسفي-السياسي من جهة، والأهمية المعرفية والمنهجية الجوهرية التي يمكن تعلمها من هابرماس وغيره من الفلاسفة، خاصة وأن التراث الفلسفي هو في النهاية تراث إنساني مشترك.
لقد كان موقف هابرماس، برأيي، سوء تقدير كبير، ويمكن القول إنه كان موجهاً في الأساس للداخل الألماني أكثر منه تحليلاً موضوعياً للخارج، خاصة ونحن نعرف ثقل الماضي الألماني وحساسيته الذي لم يستطع هابرماس وفلاسفة ألمان آخرون التغلب عليه. لكن كيفما كان الحال، فقد شكلت هذه الواقعة “سقطة أخلاقية” كلفته الكثير من سمعته على الصعيد العالمي، خصوصاً لدى المتعاطفين مع القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن هذا كله لا ينبغي أن يدفعنا إلى الكفر بفلسفته كلها، أو برفض النظرية النقدية عموماً، وربما بالفلسفة بشكل عام، كما فعلت بعض الأصوات.
من هذا المنطلق، وإحياءً لذكرى النعي السابق، أتشارك معكم هذه النظرة الأولية، مصحوبة بالصورة المرفقة التي تعبر عن الطاقة الفائقة التي تمتع بها هابرماس في الكتابة حتى آخر يوم من حياته [الصورة اخترت فقط النصوص المتوفرة في مكتبتي بالألمانية دون المراجع حوله وهي كثيرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية]. خير دليل على ذلك هو كتابه الضخم الأخير حول تاريخ الفلسفة، والذي أصدره في سن التسعين، وخصص له ألفا وسبعمائة صفحة (١٧٠٠ صفحة) ليقدم فيه تصوره الخاص لهذا التاريخ. فليتصور الإنسان حجم الجدية والعمل المضني الذي قام به هذا الرجل على مدى أكثر من سبعين سنة من البحث الأكاديمي الرصين.
يُعد هابرماس بلا شك أحد أكثر الفلاسفة وعلماء الاجتماع غزارة في الإنتاج خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين. فقد امتدت مسيرته الفكرية لأكثر من سبعة عقود، وتنوعت كتاباته بين المؤلفات التأسيسية الكبرى، والمجموعات الفلسفية، والمقالات السياسية، والخطابات، والمقابلات التي جُمعت لاحقاً في كتب. وفقاً لتقديري أصدر هابرماس أكثر من خمسين كتاباً بين تأليف وتحرير، تُرجم كثير منها إلى عشرات اللغات.
يمكن تصنيف أهم إنتاجه الفكري في ثلاث فئات رئيسية:
الأعمال التأسيسية الكبرى: وهي التي تمثل حجر الأساس لمشروعه الفلسفي، مثل: “التحول البنيوي للفضاء العمومي” (١٩٦٢)، و”نظرية الفعل التواصلي” (/١٩٨١)، و”بين الحقائق والمعايير” (ألف ١٩٩٢. والكتاب الأخير حول تاريخ الفلسفة الذي اتصدى لترجمته منذ سنوات.
المجموعات والمصنفات الفلسفية: وتضم مقالاته ومحاضراته حول موضوعات محددة، مثل: “الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي” (/١٩٨٣)، و”الخطاب الفلسفي للحداثة” (/١٩٨٥)، و”الفكر ما بعد الميتافيزيقي” (/١٩٨٨). علاوة على خمس مجلدات كما هي في صورة جمعت فيها أهم مقالاته لتكون مدخلا للطلاب.
الكتب والمقالات السياسية والتدخلات الفكرية في الفضاء العمومي: وهي التي تناول فيها قضايا راهنة، مثل: “الانقسام الغربي” (/٢٠٠٦)، و”أزمة الاتحاد الأوروبي” (/٢٠١٢).
بهذا يكون هابرماس قد نشر زهاء خمسين كتاباً باللغة الألمانية وكلها ف دار النشر الشهيرة زوركامب، يندرج ما بين ثلاثين إلى أربعين منها ضمن الأعمال الرئيسية أو المجموعات الفلسفية الكبرى، والباقي عبارة عن كتب سياسية ومقابلات موسعة. وهذا التنوع والغزارة يجعل الببليوغرافيا الكاملة لأعماله الألمانية والإنجليزية تستحق وحدها مجلداً خاصاً. كتبت هذه التدوينة بالأساس رداً على بعض الانتقادات غير الوجيهة التي وجهت لهابرماس بمناسبة وفاته، والتي خلطت بين الرجل وفكره، وبين الموقف الظرفي والمشروع الفكري الضخم. بل هي رد على من يبحثون عن كل فرصة لمهاجمة الفكر الفلسفي النقدي بعقلية لا زالت ترفض الفلسفة والحداثة بشكل مبدئي، وربما دون الاطلاع عليها والدخول معها في نقاش. ربما بعد رحليه آن الأوان للتفرغ له أكثر لتفكيك خطابه الفلسفي بمنظور نقدي فلسفي يحترم معايير النقد الفلسفي المبني على الاطلاع الجيد وليس على ثقافة التقارير.
