حول السيرة الذاتية للمفكر التونسي الدكتور فتحي التريكي
بقلم : أزراج عمر
ظهر هذا المقال كتقديم لكتاب ” الذاكرة والمصير:محطات في سيرتي الذاتية ” لصديقي المفكر التونسي الدكتور فتحي التريكي الصادر في عام 2020 عن الدار المتوسطية للنشر التونسية . أعيد نشره هنا كاملا مع إضافة بسيطة تتمثل في مقطع يتضمن باختصار شديد جدا مقترحي وهو ” التأثير المعاكس ” الذي قد اقترحته في كتابي ” من أين جاءات ما بعد البنيوية ومداخلات أخرى ” من أجل تجاوز أحادية مشروع إدوارد سعيد الذي تخصص في تحليل ونقد ” التأثير الكولونيالي من خلال تمثلات الفكر الاستشراقي الغربي ” على المستعمر ( بفتح الميم.)
وأشير هنا إلى أنني قد أنجزت كتابي المذكور آنفا في فترة 1992-1994 باللغة الإنجليزية أولا كأطروحة لنيل شهادة الماجستير في الدراسات الثقافية والدراسات الكولونيالية بجامعة لندن الشرقية / بريطانيا و صدر في عام 2019 عن دار فضاءات الأردنية بعمان في طبعتين منفصلتين واحدة اللغة الإنجليزية ، والثانية باللغة العربية من ترجمة الشاعر والأكاديمي السوري فادي أبو الديب.
***
قرأت بشغف وبقلب معبأ بالفرح كتاب” الذاكرة والمصير : محطات في سيرتي الذاتية ” لصديقي المفكر التونسي فتحي التريكي. أريد أن أسجل هذه الكلمة القصيرة في شكل تحية لهذا المفكر التونسي البارز الذي استطاع أن يساهم في بناء الفكر الحر والديمقراطي في فضائنا الممتد من المحيط إلى الخليج من خلال مؤلفاته الكثيرة ، وتدريسه للفلسفة لأجيال طلابنا وطالباتنا ، ونشاطه الفلسفي في إطار فعاليات كرسي اليونسكو للفلسفة الذي يشغله على مدى سنوات طويلة بنجاح واقتدار ، فضلا عن إلقاء المحاضرات في الجامعات والندوات مغاربيا وعربيا ودوليا.
سأتوقف عند نقاط قليلة وأترك الفرصة لقراء هذه السيرة الذاتية الفكرية لكي يكتشفوا فيها بأنفسهم العوالم الغنية والمركبة التي شكلت وتشكل معمار التجربة الفكرية، والشخصية القاعدية في بعدها الإنساني للمفكر فتحي التريكي.
بدايات الصداقة الفكرية
تعود علاقتي بصديقي المفكر التونسي فتحي التريكي ، على المستوىيين الشخصي والفكري ، إلى سنوات عديدة تتجاوز عقدا ونصف عقد من الزمان ، أول إنسان جمعني به هو صديقنا المشترك الشاعر التونسي الراحل محمد الصغير أولاد أحمد الذي كان لي بمثابة شجرة ذات ظلال .
لا أتذكر تماما عنوان وإسم مكان لقائنا الأول بتونس ولكن صرت مع الوقت أعرف أن الشاعر أولاد أحمد قد وهب لي ” كنزا ” تونسيا ثمينا ممثلا في شخص د. فتحي التريكي المثقف والانسان المطابق لنفسه والمرافق لغيره.
حتى الآن ما زلت أعتقد أن السبب في ربط الشاعر أولاد أحمد لهذه العلاقة بيني وبين د. فتحي التريكي يعود إلى كوني قد حدثته كثيرا عن انشغالي حينذاك وأثناء نشاطي الاكاديمي بجامعة ” شرق لندن ” ومن ثم بجامعة ” كانتبري ” وجامعة ” ساكس ” البريطانيتين برصد ما أدعوه بعناصر ” التأثير المعاكس ” التي تحتاج إليها النظرية الكولونالية وما بعد الكولونيالية لرصد التاُير الذي مارسته بلداننا المستعمرة سابقا من طرف فرنسا على تشكيل الجهاز النظري لفلسفات مجموعة من المفكرين والفلاسفة الفرنسيين المعاصرين أمثال ألتوسير ، وروجيه غارودي ، وسارتر، وسيمون دو بوفوار ،وجاك لاكان، وميرلو بونتي ، وتيار صناَع الأوضاع الدوليون / The Situationists International، وبيير بورديو ، والمدعوين بفلاسفة ما بعد البنيوية حينا وما بعد الحداثة حينا آخر وفي مقدمتهم جاك دريدا وميشال فوكو وجيل دولوز وجان فرانسوا ليوطار ، وغيرهم .
نحو إبراز التأثير المعاكس
أعتقد أن الدراسات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية في حاجة ماسة أن لا تبقى أسيرة الإتجاه الذي دشنه وكرسه المفكر الراحل إدوارد سعيد والمتمثل في تحليل ونقد الخطاب الكولونيالي بواسطة استخدام واستثمار مفهوم الخطاب لمشيل فوكو ونظرية الهيمنة عند المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي فضلا عن تأثيرات فلاسفة ونقاد آخرين عليه أمثال المفكر فيكو الإيطالي وريموند وليامز البريطاني وغيرهما كثير .
ويلاحظ أن التركيز فقط على تأثير الكولونيالية وعلاقات القوة لمرحلة ما بعد الكولونيالية على بلداننا ثقافيا واقتصاديا ولغويا ومعماريا يبقى ناقصا ما لم يتم استكماله بتفكيك أوجه التأثير التي مارسته مختلف المقاومات الوطنية في العالم الثالث بما في ذلك حركة التحرر الوطني الجزائري على المجتمعات الاستعمارية سابقا بشكل عام وعلى مفكري ومثقفي وأدباء هذه الفضاءات الكولونيالية.
وفي تقديري فإن النظريات التي تستند إليها الدراسات النقدية الكولونيالية وما بعد الكولونيالية حتى الآن لن تقدر على إبراز قسمات اللقاء الصعب والدرامي بين المستعمر والمستعمر على مدى سنوات طويلة ما لم تتم دراسة ما أدعوه بـــ ” التأثير المعاكس ” الذي مارسته حركات التحرر الوطني عندنا على فكر الآخر الأوروبي / الغربي بشكل خاص ، وإبراز الأثر المتبادل بين ثقافة المستعمر ( بكسر الميم ) وبين ثقافة المقاومة الطليعية التي مارسها المستعمر ( بفتح الميم) بشكل عميق.
مهمة الفيلسوف والعلاقة بفوكو
أعود الآن إلى حيثيات لقائي الأول بالدكتور فتحي التريكي. في ذلك اللقاء كنا أربعة : أنا وأولاد أحمد ، ود.فتحي التريكي وزوجته د.رشيدة أستاذة فلسفة الجماليات بجامعة تونس. في تلك الجلسة االجميلة تشعَب بنا الحديث حول دريدا وفوكو وقبل أن نفترق ناولت الأخ فتحي هدية منَي تمثلت في كتاب ميشال فوكو حول مفهوم ” التنوير ” لدى عماويل كانط الذي يلخَص هذا الأخير شعاره في هذه الجملة الدالة :” فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص!” ومنذ ذلك الوقت وعلاقة الصداقة بيننا ما فتئت تنمو بشكل مطرد حتى أصبحنا بمثابة صوتين يجتازان المسافات الفاصلة بينهما ، و تجمعهما دروب المودة والتعاون الثقافي والفكري .
عندما أسس د. التريكي مؤسسة ” إبراز” الثقافية بتونس دعاني إلى الانتماء إليها كعضو إلى جانب زملاء أخرين من أساتذة الفلسفة والنقد الثقافي وبعد ذلك تكررت اللقاءات بيننا في ندوات من تنظيمه في إطار نشاط كرسي اليونسكو للفلسفة الذي يشغله منذ سنوات إلى يومنا هذا وفي ندوات فكرية بالجزائر أيضا.
لقد كانت الثمرة الأولى لهذه العلاقة مقالي الذي خصصته في حلقتين لكتابه ” فلسفة الحياة اليومية ” حيث رصدت فيه مسعاه لإنزال الفلسفة ، في طبعتها العربية على الأقل ، من عزلتها الارستقراطية إلى دروب حياة الناس اليومية دون التفريط في خصوصيتها ” كممارسة فكرية ذات تقنيات خاصة” كما يرى هو تحديدا.
إذا كان جيل دولوز و فليكس غتَاري يريان أن مهمة الفيلسوف تتمثل في صنع المفاهيم فإنَ قراءتي لكتابات الدكتور التريكي قد كشفت لي أن المفهوم الفلسفي هو ابن التاريخ والحياة وأسئلتهما وليس مجرَة معلقة في فراغ التجريد البحت.
ففي هذه السيرة الفكرية الذاتية الموسومة بـــ” الذاكرة والمصير ” تبيَن لي أنَ استنتاجات بعض الدارسين بخصوص علاقة فتحي التريكي بميشال فوكو ما تزال أسيرة المركزية الأوروبية / الغربية لأنها تقصي مساهمة الهامش أو الأطراف في ممارسة التاثير المعاكس أو الاستقلال الفكري الجزئي على الأقل ولذا ينبغي أن تقلب هذه الاستنتاجات بصرامة وأن توقف على رجليها بدلا من إبقائها واقفة على رأسها.
أرى أن ثمة علاقة تفاعل خصب أقامها التريكي مع فلسفة فوكو بلاشك ، وهي علاقة استيعاب لها وإدراك لمفاصلها ولتاريخيتها وقصديتها ولكن هذه العلاقة مؤسسة على جذر تجربة التريكي التونسية الخاصة والمتميزة أولا وتأتي بعد ذلك الروافد الأخرى .
مرجعيات فتحي التريكي
وبمعنى آخر فإن مصادر التريكي بخصوص قضايا العدالة والكرامة و الاختلاف ، والتنوع ، وبناء الذاتية ، والمجتمع ، وتاريخ الهامش و الهويات الصغرى توجد في تجربة التريكي نفسها وفي تاريخ مجتمعه التونسي الذي عاش ضمن فضائه ، وفي معاناته المؤلمة جراء الصعوبات والعراقيل التي اصطدمت بها خطاه وهو يسير على درب طلب الوظيفة في تونس ، وأثناء كفاحه الدراسي الأكاديمي في فرنسا.
و تتكشف ايضا في انشغالات محيطه الذي ارتبط وما يزال يرتبط به نضاليا ، وكذا في تجربته الشخصية والفكرية في باريس / فرنسا حيث تعايش وتحاور وتناص مع الثقافات والخصوصيات الاثنية والدينية والعرقية المتنوعة والمختلفة.
في هذا الشأن نجد صور التنوع الإثني والعرقي ، مثلا ، مستقاة من مسرح طفولته في مدينته ” صفاقص ” التي يروي عنها بأنها كانت السقف الذي تجمع تحته العربي ، والأمازيغي ، والمالطي ، والفرنسي ، والايطالي ، واليهودي وهلم جرَا رغم تعقيدات وملابسات الشرط الاستعماري الفرنسي لتونس في ذلك الوقت الذي تؤرخ له هذه السيرة الذاتية ” الذاكرة والمصير”.
إذا استخدمنا الجهاز المفهومي للتحليل النفسي فإننا نجد أن فتحي التريكي قد قام بإسقاط تجارب حياته ونضالات مجتمعه على الفلسفة وحولها إلى فكر له نكهة تميزه ، وفي هذا الخصوص فإن كتابات التريكي الفكرية يمكن أن تسمح لنا بالتحدث عن دور الذات وعلاقتها بالمجتمع والتاريخ في صنع الفكر ، أي نقل تلك التجربة المركبة والمتنوعة والمتضافرة إلى التفكير الفلسفي و هو ما يجعله يندرج ضمن أفق فلسفة التنوع.
وفي الواقع فإن ما قام به التريكي هو أنه تفتَح على أعمال فوكو على أساس ما يماثل تجربته الخاصة به هو ، أي على أساس ما يلتقي التريكي معه بخصوص الموقف من العالم. وهنا نجد أنفسنا أمام الالتقاء التوافقي مع الافكار وليس أمام الاستعارة أو الاقتراض. وأرى في هذا عنوانا مهما للمثاقفة الحوارية التي تتأسس لدى فتحي التريكي على تفعيل القواسم المشتركة في التجربة الحياتية الانسانية بما هي تجربة فكرية أيضا. وأمضي الآن قدما للتحدث بشكل مختصر جدا عن بعض أهم الاسباب التي أفرزت علاقة التلاقي الحواري بين التريكي وبين فوكو.
لا يخفي د. فتحي التريكي أنه كان من طلاب ميشال فوكو بل فهو يعتبر ذلك مكسبا له ومن أسباب تعميق فعل الانفتاح على الفكر الفرنسي التقدمي لديه في نموذج فوكو ، ولكن هذا الانفتاح عند التريكي قد تميز بأنه قد انبنى على علاقة التفاعل التي أقامها فوكو مع تونس من خلال تأمله ومعايشته لنضال أبنائها من أجل العدالة والديمقراطية.
تجربة فوكو في تونس
عن هذه العلاقة قال فوكو في حواره مع الصحافي والمثقف الايطالي داسيو طرومبدوري : ” أذكر أن هربرت ماركيوز قال يوما مؤنبا أياي ، أين كان فوكو في أيام متاريس ماي 1968م ؟ حسنا ، كنت في تونس، بسبب عملي . ويجب أن أضيف بأن هذه التجربة كانت حاسمة بالنسبة لي . حقَا، ففي مسار حياتي كنت صاحب حظ جيد أن ألاحظ حقائق مهمة عديدة ” ، ومن بعد يكمل فوكو إبراز علاقته بتونس وتأثيرها عليه قائلا : ” أخيرا ، فقد عشت في بلد متخلف ، في تونس مدة عامين ونصف عام . فقد كانت تجربة صادمة ، وذلك قبل أحداث ماي 1968م بفرنسا بقليل ، ولقد كانت هناك تحريضات الطلاب العنيفة بشكل لا يصدق. لقد كان ذلك في مارس من نفس السنة : إضرابات ، مقاطعات للدراسة ، وكانت الاعتقالات تحدث واحدة تلو الأخرى على مدى سنة كاملة. دخل البوليس إلى حرم الجامعة وهاجموا طلابا كثيرين وجرحوهم وقذفوا بهم إلى السجن”. ويختم فوكو بعد تحدثه عن النضال السياسي اليساري للطلاب التونسيين قائلا بأن تونس هي التي غيَرته وليس أحداث فرنسا في عام 1968م : “لم يكن ماي 1968م في فرنسا من غيَرني ، بل مارس 1968م في بلد من العالم الثالث”.
تأثير التحرر الجزائري في فلسفة فوكو
وإلى هذا التأثير التونسي الحاسم يضيف فوكو تأثيرا حاسما آخر وهو تأثير حركة التحرر الوطني الجزائري ، وفي هذا الخصوص كتب قائلا:” أخيرا ، يجب أن تذكر الحرب مع الجزائر ” ثم يواصل:” إنه جراء الحرب مع الجزائر أشرفت مرحلة طويلة على نهايتها في فرنسا حين كان يعتقد بسذاجة قليلا عند اليسار أن الحزب الشيوعي، والنضالات العادلة والقضايا العادلة كانت واحدة .” وفي هذا السياق نجد فتحي التريكي ينوَه أيضا في هذه السيرة الذاتية ” الذاكرة والمصير ” بحركة التحرر الوطني الجزائري كبعد مكوَن لمعماره الفكري ولتجربته الانسانية معا. يقول فتحي التريكي : ” ولكنّ الوعي السياسي الحقيقي الذي مكّنني من بناء شخصيّتي الفكريّة السياسيّة كان نتيجة حرب التحرير الجزائريّة… ” ثمَ “ففي أواخر الخمسينات وأوائل الستينات كانت الإذاعة التونسيّة تسمح للإذاعة السرّيّة التي كوّنتها الثورة الجزائريّة أن تبثّ ساعتين أو أكثر أخبار الحرب وتحاليلها” و” وكم كان النشيد الوطني الجزائري “قسما بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات” يثير في ذاتي كره المظالم وحبّ العدالة والمساواة…واليوم أنا متأكّد أنّ بداية وعيي بالحرّية والعدالة والمساواة كانت بسبب الثورة الجزائريّة العظيمة… “
بعد الشعر في فلسفة اليومي
من الملاحظ أيضا أن فتحي التريكي يضيف في هذه السيرة الذاتية ( الذاكرة والمصير) بعد الشعر كمكوَن آخر لبنية ذاته ولفكره معا. من جهة يروي في” الذاكرة والمصير” أنه خاض غمار كتابة الشعر وإقامة علاقة المؤانسة معه ، ومن جهة أخرى فهو شديد الارتباط بشعر أبو القاسم الشابي بشكل ملفت للنظر وبشعر شعراء آخرين يلتقون معه في فهم الوجود وفي طريقة التعبير عن دور الطبيعة والناس وحركات التحرر في بناء الذاتية وتمرينها على اختيار مصيرها في الحياة. لاشكَ أن هذا الانهمام بالشعر لدى التريكي نادر لدى المنشغلين بالفكر والفلسفة في بلداننا باستثناء أسماء قليلة منها ، على سبيل المثال ، عبد الرحمن بدوي ومحمود أمين العالم و زكي نجيب محمود وعبد الغفار مكاوي.
من الواضع أن هذه الأبعاد المذكورة تنمو جميعا ضمن فضاء مشروع كبير للدكتور التريكي وهو فلسفة الحياة اليومية التي تعنى بمسائل عدة منها على سبيل المثال لا الحصر ، التاريخ الحضوري أي فلسفة التاريخ الذي يسمح بتحرير الفكر الفلسفي من قيود الانغلاق النسقي في الكليا التجريدية المحضة ، والدوران النمطي في فلك المركزيات الطاردة للإطراف ، وإخضاع الصيرورة للبنيات كقدر محتوم. كما ينبغي أن يفهم من مصطلح اليومي جعل الفلسفة تنأى بنفسها عن اختزال المعنى في جوهرانية هذا الشئ أو ذاك الموضوع
