الفلسفة للأطفالفلسفة

الفلسفة الموجّهة إلى الأطفالأو «السيمفونيّة العاشرة»

محيي الدين الكلاعي

1- في تعريف الفلسفة الموجهة إلى الأطفال بعامّة.
الفلسفة الموجّهة إلى الأطفال هي مشروع تربويّ وبيداغوجي جديد تعود فكرته الأولى إلى المفكّر الأمريكي ماثيو ليبمان Matthew Lipman (1923-2010). ويقوم هذا المشروع على تصوّر جديد للفلسفة، يقطع أو يريد أن يقطع مع اعتبارها ممارسة أكاديميّة محضة واختصاصا نظريا لا يهم إلا الجامعيين والمثقفين والفلاسفة والعلماء. ويرى، في مقابل ذلك، بأن الفلسفة ممارسة أو يجب أن تكون ممارسة فعلية في المدرسة وفي المجتمع، ممارسة عابرة للاختصاصات بلغة إدغار موران Edgar Morin (1921). كما يقوم هذا المشروع على تصور جديد للفكر ينظر إليه بوصفه حقيقة شمولية يتقاطع فيه البعد النقدي مع البعد الخلاّق والبعد التعاطفي. تصور شمولي لا يؤمن بالتفاضل بين مختلف مظاهر الفكر بل بتكاملها دلاليا ووظيفيا. ومن مبادئ هذا المشروع أيضا إعادة النظر في مكانة الطفل حقوقيا وتربويا وفلسفيا. ذلك أنّ ما تعرّض إليه ملايين الأطفال خلال الحربين العالميتين من اغتصاب وتهجير وتشريد وتجويع وتنكيل وتجنيد يوجب، لا فقط الاعتراف بحقهم في الحياة والكرامة الإنسانية كما تنصّ على ذلك الاتفاقيات والمواثيق الدولية، بل العمل داخل المدرسة والمجتمع على تجسيم هذه الحقوق. كما أنّ الثورة الحاصلة في العلوم العصبية والنفسية وفي البيداغوجيات في النصف الثاني من القرن العشرين، توجب مراجعة الاعتقاد بأن التفكير لا يستقيم إلا مع الراشدين. فالطفل قادر بطبعه على التفكير أو بالأحرى إنّ دماغه يملك قبل اللغة والمجتمع استعدادا للتأمل والافتراض والاستنتاج والفهم والتأويل…الخ. صحيح أن اللغة والمجتمع ينميان هذه القوى الكامنة للتفكير ويزيدانها دقة وعمقا ووضوحا وتنوعا ونضجا إلا أن ذلك لا يعني أن دماغ الطفل صفحة بيضاء يستطيع الراشدون أن يكتبوا عليها ما يشاؤون. إن دماغ الطفل ليس صفحة بيضاء، ولعل الطفل يستبق الراشدين في كتابة أولى المعاني الوجودية والإتيقية عليها. أما في ما يتعلّق بالجانب التربوي فيؤكّد رواد هذا المشروع على أنّ الفكر يُبنى ولا يُعطى، ولا يبنى في مرحلة بعينها يكون الطفل قد استكمل فيها مقومات نموه النفسي والذهني والبيولوجي، بل يبنى من المهد إلى الرشد. ولا يبنى هذا الفكر أيضا بشكل تلقيني وسلطوي بل بشكل تفاعلي وودّي، وهو ما تعبّر عنه فكرة «جماعة البحث» أو «مجتمع التقصّي» Community of Inquiry. ولا يبنى هذا الفكر كذلك في المدرسة فحسب بل يبنى في كل فضاء تربوي واجتماعي يسمح بذلك مثل الأسرة والإصلاحية والسجن والمستشفى ومراكز رعاية الأطفال…الخ. ومن ثم فإن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال هي مشروع تربوي وبيداغوجي له مبرراته الاجتماعية والتاريخية وله أيضا دواعيه الإبيستيمولوجية والفلسفية، وليس مجرّد ابتكار أو مبادرة شخصية لمعالجة أزمة الفلسفة والبحث عن مجال جديد تستمد منه مشروعية حضورها واستمرارها.
2- الفلسفة الموجّهة إلى الأطفال من الفكرة إلى المشروع.
ويجب أن نتوقّف في هذا الإطار عند كلمة مشروع التي قد تثير بعض التساؤلات. إن اعتبار الفلسفة الموجهة إلى الأطفال مشروعا معناه في المقام الأول أنها برنامج متكامل له أسسه النظرية وله قواعده المنهجية وله أيضا استراتيجياته العملية ورهاناته المجتمعية. فالمشروع ليس برنامج فكر فحسب بل هو برنامج عمل. وتلك قاعدة من قواعد الفلسفة البراغماتية التي ينتمي إليها ماثيو ليبمان وبعض أتباعه. وتتمثل أركان هذا البرنامج، مع ليبمان على الأقل، في مجموعة من الروايات الفلسفية تعالج جملة من القضايا الفكرية والاتيقية، وتتناسب هذه الروايات مع مختلف الأعمار من المرحلة التحضيرية إلى نهاية المرحلة الثانوية. وتعتبر رواية اكتشاف هاري ستوتلماير Harry Stottlemeier’s Discovery أولى هذه الأعمال الأدبية وأهمها. وقد طرح فيها ماثيو ليبمان مجموعة من القضايا لعلّ أبرزها كيفية تربية الأطفال على التفكير المنطقي. أما الرّكن الثاني من أركان هذا البرنامج فهو المتون العلمية والبيداغوجية المرافقة لهذه الروايات والتي توضح كيفية توظيفها منهجيا وعمليا. ونذكر بوجه خاص هنا، كتاب الفلسفة تدخل المدارس Philosophy goes to school، والمدرسة داخل الفصل Philosophy in the classroom ، والمدرسة وتربية الفكر Thinking in education . ويستمد لفظ المشروع وجاهته أيضا من مبدأ العمل الجماعي والمؤسساتي. فنحن لسنا إزاء فلسفة بالمعنى الأكاديمي والنسقي للكلمة بل أمام رؤية فلسفية وتربوية وبيداغوجية لتغيير الممارسة التعليمية-التعلّمية ولتعديل أو تصويب الدور الذي يمكن أن تضطلع به المدرسة في المجتمع، والدور الذي يجب أن تضطلع به الفلسفة أيضا في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. وتعتبر آن مارغريت شارب Ann Margaret Sharp (1942-2010)، وفريدريك أوسكانيان Frederick Oscanyan (1934-1990) من المساهمين الأساسيين في تصور هذا المشروع وفي إنجازه. وهو ليس مشروع جماعة من المفكرين الطوباويين المتعالين تماما عن الواقع بل مشروع يدرك تماما شروط إمكانه الموضوعية. ولذلك اقترن منذ البداية بالسياسة التربوية للدولة وقُدّم ونوقش في سياق تصور جديد للمنهاج. ويمكن القول زيادة على ذلك إن المشروع لا يكون مشروعا بحق إلا إذا كان مفتوحا على النقد أي على مراجعة أصحابه بالدرجة الأولى لمبادئه ومفاهيمه وأدواته في التحليل والعمل، وهو ما نلاحظه مثلا في الطبعة الثانية لكتاب المدرسة وتربية الفكر الصادر سنة 2003 والمترجم إلى الفرنسية سنة 2006، وفي عديد الدروس والمحاضرات التي قدمها ماثيو. فالمشروع بهذا المعنى ليس نسقا مكتملا ومغلقا ونهائيا بل هو مسار بناء وتطوير ومراجعة لفكرة في ضوء ما يواجهه من صعوبات وفي ضوء ما يتهيّأ له أيضا من الإمكانات الفكرية والموضوعيّة. أما الفكرة الأخيرة، والأكثر أهمية في تقديرنا، التي نودّ التشديد عليها هنا فهي أنّ مشاريع الأفكار ليست مشاريع أشخاص ولا مشاريع جماعات أو مجتمعات، بل هي مشاريع إنسانية أو كونية. فنحن لسنا إزاء فلسفة مخصوصة أو تقليد مخصوص يتماشى مع مجتمعات دون أخرى ومع ظروف دون أخرى، بل نحن إزاء تقليد فكري ينتشر في العالم بأسره ويطبق بأشكال مختلفة ولأغراض متباينة. ومثلما يستخدم مشروع الحداثة خارج أفقه الجغرافي والثقافي، ويستخدم مشروع التنوير أيضا خارج أفقه الجغرافي والثقافي، فإن مشروع الفلسفة الموجهة إلى الأطفال يجب أن يؤخذ خارج التضييقات الاجتماعية والثقافية، فضلا عن التضييقات النظرية والأكاديمية. إن مشروع الفلسفة الموجهة إلى الأطفال مشروع ممكن في كل مجتمع، وإذا كانت هناك بعض الصعوبات الثقافية والاجتماعية التي تواجهه فإن ذلك لا يعد حجة ضد المشروع في حدّ ذاته. ويمكن أن نذكّر هنا بصعوبة تلقي هذه التجربة في فرنسا، والامتناع في البداية حتى عن ترجمة أعمال ماثيو ليبمان، لكن ذلك لم يمنع فيما بعد من ترسيخ هذه التجربة وتطويرها مع رواد كبار لا يستهان بإسهاماتهم مثل ميشال بيكمال Michel Piquemal (1954)، وميشال توزي Michel Tozzi (1945)، وأوسكار برينيفييه Oscar Brenifier (1954)، وفريدريك لونوار Frédéric Lenoir (1962) وأدفيغ شيروتي Edwig Chirouter (1970).
الفلسفة الموجهة إلى الأطفال: «السيمفونية العاشرة»
يجب أن نوضّح أيضا أنّ الفلسفة الموجّهة إلى الأطفال ليست ضربا من التبسيط المدرسي للفلسفة تحكمه إجرائيات وأهداف ديداكتيكية محضة. وليست أيضا ضربا من التنزيل النسقي للفكر الفلسفي في المدارس يتخطّى إمكانات الأطفال ويكبّل قوى الحسّ والخيال والإبداع لديهم. وليست أيضا ضربا من التكييف التربوي، النفسي والاجتماعي، للأطفال مع واقع العنف والعبث في العالم، بتعزيز ثقتهم في أنفسهم وتحصينهم من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لهذا الواقع. وليست من جهة أخرى «لا فلسفة» أو مدخل لها يهيّئ الراشدين في أحسن الأحوال لتلقي نصوصها ومبادئها على أحسن وجه. إن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال هي ضرب من الإنصات لما هو فلسفي في تأملات الأطفال وذهولهم وأسئلتهم وكلماتهم وانفعالاتهم وأفعالهم. ولا يتوقف الأمر عند الإنصات، رغم أهميته التربوية والبيداغوجية، بل يتعدّاه نحو تنمية هذا الحس الفلسفي بالانفتاح على الغير، وبالنقاش، أي في النهاية بالحجاج والمفهمة وأشكلة معاني الخير والحق والحب والجمال والعدل والحرية…الخ. إن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال هي فلسفة مع الأطفال استنادا إلى سياقات الأطفال الخاصة والمشتركة والمتنوعة لا استنادا إلى سياقات الفلاسفة، أعني تلك السياقات النظرية والتاريخية المحددة سلفا.
ويجب أن نذكّر أيضا بأن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال لا تتعيّن كمادة تعليمية في مقابل مواد تعليمية أخرى تفوقها أو تقل عنها قيمة وأهمية من قبيل الفن والرّسم والموسيقى والمسرح. إنها تتعيّن كبرنامج، لا بالمعنى التربوي والتقني المحض لكلمة برنامج بل بالمعنى الفكري والاستراتيجي. فالفلسفة الموجهة إلى الأطفال ليست، وهذا ضرب من المفارقة أو ربما من الطرافة في هذا التقليد، فلسفة خالصة. إنها ممارسة للفلسفة في ما ليس فلسفيا أو في ما يبدو عصيا عن الفلسفة أو في ما يبدو عصيا دون فلسفة. ففكرة «جماعة البحث» التي يؤسس عليها ماثيو ليبمان هذا المشروع تقدّم اليوم كبرنامج للتفكير فلسفيا في مادة الرياضيات، في مفاهيمها وقضاياها وعقباتها التعليمية، كما تقدّم كبرنامج للتفكير فلسفيا في اللغات. وفيما يتعلق بالفني، فإن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال ليست بديلا عن الفن وليس الفن بديلا عنها. فهي من جهة وليدة هذا الفنّي، أداة ومعنى، إذ لا تعتمد النص الروائي والشعري كمحمل بيداغوجي فحسب للنقاش في قضايا المعنى، بل تعتبر الفني معيار سمو للروح ينشد الفعل التربوي تحقيقه مع الأطفال. وهي لا تتقاطع من جهة أخرى مع الفني في الغرض التربويّ فقط بل تستدعيه لتحقيقه، ولا يتم ذلك بضرب من الوصاية النظرية تدعي الفلسفة حق ممارستها بل بضرب من الوعي بتعدد أبعاد الفكر وتلازمها وتقاطعها. فلا معنى لأن نربي الطفل بفن دون فلسفة، ولا بفلسفة دون فن، ولا معنى أيضا لأن نربيه بهذه الذهنية الوضعية التي تعتبر نمطا فكريا ما أرقى من الآخر أو أكثر ملاءمة منه في وضعية ما أو مرحلة ما.
إنّ الفلسفة الموجهة إلى الأطفال هي بمثابة سيمفونية، سيمفونية من سيمفونيات بيتهوفن، ولعلها أقرب في حقيقتها وواقعها للسيمفونية العاشرة التي لم يتيسر لبيتهوفن إكمال تأليفها وعزفها قبل رحيله، وتتكفل بذلك اليوم برمجيات الذكاء الاصطناعي. ونحن لا نقول ذلك من باب الاستهانة بهذا المشروع بل من باب الإيمان بعبقريّة الفكرة، ومن باب الاقتناع أيضا أنّ الأفكار الجيدة أو المشاريع الجيدة تحتاج إلى ذكاء لإنجازها والإصرار على تحقيقها. نحن إزاء سيمفونية لا يمكن عزفها بيد واحدة ولا بآلة واحدة ولا بإيقاع واحد. إن السيمفونية تحتاج إلى أكثر من يد، يد السياسي، والمربي، والفيلسوف، والبيداغوجي، والمثقف، والتلميذ، والولي، والإداري، والإعلامي، وتحتاج إلى أكثر من آلة، تحتاج الدرس الأكاديمي، والممارسة الميدانية، مثلما تحتاج إلى النص الأدبي والفلسفي والمسرحي والبحوث النظرية. إننا إزاء سيمفونية تقتضي منا تمرينا طويلا على العزف قبل الاستمتاع بلذة الاكتشاف. ويجب أن نذكّر أيضا أنّ الأفكار الكبرى لا تنجح في غياب الذكاء القادر على إنجازها وتطويرها، وأن مشكلة مدرستنا اليوم هي مشكلة صناعة الذكاء قبل أن تكون مشكلة الذكاء الاصطناعي. وبعبارة أخرى فإنه لا يمكننا التفكير في عزف السيمفونية العاشرة قبل عزف السيمفونيات الأخرى. إن الفلسفة الموجهة إلى الأطفال مشروع مهم وضروري لا ينبغي أن يؤجّل أو يُعطّل، وإن الفلسفة في بعدها الأكاديمي والتاريخي مهمة وضرورية، وهي بمثابة الرافعة الكبرى لهذا المشروع أو بمثابة العمق الثقافي والحضاري له، ولا ينبغي أن نضع أنفسنا في معرض المفاضلة أو الاختيار بينهما. ويجب أن نذكّر أيضا أن أي خطر يهدد الفلسفة ينسحب على الفلسفة الموجهة إلى الأطفال، والعكس بالعكس.
هذه فكرة مختصرة وعامة عن مشروع الفلسفة الموجهة إلى الأطفال نأمل أن نعود إلى تفصيل النظر فيها في مقال قادم. كما نأمل أن نعدّ مقالا حول الأعمال النظرية والميدانية التي أنجزت منذ 2009 إلى اليوم من قبل القائمين على هذا المشروع أو المؤمنين به والمدافعين عنه نذكر من بينهم الأساتذة الأجلاء: هدى الكافي، ومحمد محجوب، وفتحي التريكي، وعادل الحداد…الخ.
محيي الدّين الكلاعي، الشارع المغاربي: 25/07/2023

نص المقال المنشور بالشارع المغاربي 25/07/2023.

Related posts
ترجمةفلسفة

بيري اندرسون: ظهور الماركسية الغربية

عامةفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: Om Namah Shivaya

ترجمةفلسفة

لويس التوسير: ما هي الفلسفة؟

ترجمةفلسفة

جورج لوكاتش: الذات والموضوع في فلسفة هيغل

Sign up for our Newsletter and
stay informed