ترجمةفلسفة

الدين والعقل العمومي

لقد مثلت مسألة دور الدين في العقل العمومي موضع جدل كبير في الفلسفة السياسية الحديثة. وفي هذا السياق بالذات يتنزل كتاب مورين يونكر-كيني الدين والعقل العمومي، مقارنة بين مواقف جون رولز ويورغن هابرماس وبول ريكور حيث تتناول هذه المسألة بطريقة مبتكرة وبنّاءة إلى حد كبير، فهي لا تهدف إلى تقديم حجة معيارية جديدة حول ما إذا كان يمكن استخدام الأسباب الدينية بشكل مشروع في الديمقراطية الليبرالية، بل إلى تحليل ومقارنة مصطلحات المسألة نفسها وآثاره في مواقف ثلاثة من كبار الفلاسفة المعاصرين.

وإن اختيار هؤلاء المفكرين الثلاثة بحد ذاته يبدو أمرا غير مألوف، وإذا كان الأمر واردا في علاقة بجون رولز ويورغن هابرماس حيث دار بين الرجلين سجال واسع النطاق في غير ما مسألة داخل البيت الليبيرالي، وهو سجال، في الحقيقة مثّل دائما انشغالا متزايدا في الفلسفة السياسية الحديثة، فإن اللافت في هذا الكتاب هو حضور بول ريكور الذي غالبا ما يقع تجاهله على نطاق واسع من قِبل الفلاسفة السياسيين الليبراليين. وتلك لعمري إحدى أهم مزايا هذا لكتاب الذي، فيما يبدو، استطاع ببراعة فائقة أن يجمع مفكرين من تقاليد فلسفية مختلفة، كثيرا ما تُعالج أعمالهم بشكل منفصل، حول موضوع يُعتبر عادةً من صميم التقاليد الليبرالية. فقد كانت مسألة القناعات الدينية في الفضاء العمومي بالفعل إحدى القضايا المحورية في النظرية الليبرالية منذ أن أعاد رولز صياغة المثل الأعلى الكانطي للعقل العمومي. ومع ذلك، تذكّرنا يونكر-كيني، بحق، بأن رولز وأتباعه ليسوا الورثة الوحيدين لكانط، وأنهم لا يدعوا احتكارهم مناقشة العقل العمومي.

وأما المزية الثانية الرئيسة لهذا الكتاب فتكمن في المنهج الذي تخيرته المؤلفة حيث لا تكتفي بالتركيز على مفهومي العقل العمومي والدين وحسب، بل تنظر إلى المسعى الفلسفي الكامل لكل مفكر لفهم هذين المصطلحين. فبدلاً من الانطلاق من المسائل المعتادة التي تتعلق بنطاق العقل العمومي ومداه أو توافقه مع القناعات الدينية، تنطلق من إعادة بناء الإطار الفلسفي لكل من المفكرين الثلاثة. تستند نظرية رولز الليبرالية، ونظرية هابرماس في النقاش، وتأويلية ريكور إلى افتراضات أنثروبولوجية وفلسفية مختلفة. أما مفهومي الفاعلية والاستقلالية، اللذين تناقشهما يونكر-كيني بشكل مستفيض، فدلالاتهما تنفح في اتجاهات شتى، ولهما تأثير مباشر على تحديد مفهومي “الدين” و”العقل العمومي”.

يُعدّ مفهوم رولز للعقل العمومي ودور الدين فيه من أكثر المفاهيم شيوعًا في الفلسفة السياسية المعاصرة. فالعقل العمومي، بالنسبة للفيلسوف الليبرالي، هو ما يُمكن الوصول إليه بمعزل عن الدين. أما بالنسبة لرولز، فالدين نوعٌ خاص من المذاهب الشمولية: فهو، كغيره من المذاهب الشمولية، خاص، وموضوعٌ لخلافاتٍ لا غنى عنها ومعقولة، ولا يُمكن توقع أن يتبناه جميع المواطنين. وعلى النقيض من ذلك، يُعرَّف العقل العمومي بأنه ما نتشاركه جميعًا بمجرد تجردنا من قناعاتنا الدينية أو الفلسفية الخاصة. مع ذلك، يُقرّ رولز بأن للدين دورًا هامًا في استقرار المجتمعات الليبرالية، نظرًا لكونه أساسًا مشتركًا لتبرير القيم الليبرالية والديمقراطية. إلا أن التمييز بين العقل العمومي والدين، أو بشكل أعم بين ما هو شمولي وما هو عمومي، واضحٌ وحاسمٌ في الإطار الليبرالي: فالعقل العمومي يتجاهل الدين، بل ويتعيّن عليه أن يتجاهله.

ويحضر التمييز بين العقل العمومي والدين أيضًا في موقف هابرماس، ولكن ليس بهذا الوضوح. فبينما ركز رولز حصريًا على الحجج والأسباب بحد ذاتها، بغض النظر عن الأفراد الذين قد يطرحونها، يشدد هابرماس على الدور المحوري الذي يلعبه الأفراد: فالعقل العمومي مرتبط بعملية الحجاج لا بمجرد الحجج. وانطلاقًا من الإطار الفلسفي للعقل التواصلي وأخلاقيات النقاش، ينصص هابرماس على أهمية التفاهم المتبادل والتعاون بين الأفراد، بما في ذلك بين المتدينين والعلمانيين. وفي هذا المضمار يلعب مفهوم الترجمة دورًا أساسيًا. وإذ يتفق هابرماس مع فكرة رولز القائلة بضرورة أن تكون الأسباب العمومية متاحة للجميع، إلا أنه يعتبر نموذج رولز مُثقلًا بأعباء غير منصفة على المتدينين الذين يعجزون عن استخدام قناعاتهم التي يرونها الأنسب. ويُطرح مفهوم الترجمة كحل لهذه المشكلة: فهو العملية التي تُترجم من خلالها الأسباب الدينية إلى مفردات علمانية متاحة للجميع، مما يسمح للمتدينين بطرح قناعاتهم الدينية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على متطلبات العقل العمومي. ويرى هابرماس أن الترجمة ضرورية أيضاً من أجل العقل العمومي ذاته، لأن الأديان هي حاملة الحقائق التي تفتقدها التقاليد العلمانية. وبالتالي، يُنظر إلى الدين على أنه قادر على لعب دور حاسم في العقل العمومي. إلا أن هذا الدور ليس بلا ثمن، ولا يمكن تحقيقه إلا إذا احترمت الأديان شروطاً معينة تتعلق بمكانتها اللائقة داخل الدولة الحديثة، وأخذت بعين الاعتبار سلطة العلم والتعددية الدينية. يمكن للدين أن يكون حليفا للعقل العمومي، ولكن فقط عندما يلتزم بالقواعد التي يمليها العقل العمومي.

يذهب ريكور إلى أبعد من هابرماس في اعتبار أن للدين دورًا هامًا في العقل العمومي. فبالنسبة له، تُعدّ التقاليد الرمزية المختلفة، بما فيها الدينية، من الأسس المشتركة للفضاء العمومي. ويعتمد مفهوم العقل العمومي بالفعل على مفاهيم وتأويلات ثقافية محددة: إذ يُنظر إلى كل من الدين والعقل على أنهما “وسيطان رمزيان”. و”بوصفه الفيلسوف التأويلي الوحيد بين المفكرين الثلاثة الذين تعرضنا لهم، تقول المؤلفة” فقد شحذ ريكور وعي الباحثين الكتابيين واللاهوتيين بشأن عمليات التأويل التي تنطوي عليها مهمة تقييم تطور تقليد ديني ما متجاهلا كتبه المقدسة التأسيسية. وبوصفه الوحيد من بين الثلاثة الذين درسوا المصادر الأدبية والفلسفية والدينية القديمة بعمق، فقد قدم أيضًا مقارنات مفيدة ومثمرة. وقد وفر تحليله وتصنيفه لرمزيات الشر خلفية خلاقة ومؤثرة للتصورات المختلفة لازدهار الإنسان وللخلاص، وكذلك لإعادة بناء التجربة الأصلية للحرية كقدرة للفعل نحو الخير أو الشر. وقد كشف عن أسس الايتيقا باعتبارها القدرة على التفكر الأخلاقي وشرح بالتفصيل الموارد التي ساهمت في خلق مفاهيم توجيهية للفهم الغربي الذات؛ إنه إرث منفتح على فكرة “اقتصاد الفيض غير المحدود”، حيث يختصر الوعد الكتابي، والذي، في رأيه، لا يزال مطلوبًا لتوجيه وتصحيح الرؤى الحالية للعيش المشترك. إن بُعد العقل الذي يتحدث عنه ليس البعد المعرفي والشفهي للإجماع التقاطعي، ولا نقاشا عمليًا حول معايير الفعل، ولكن ملكة المخيلة الخلاقة التي تستجيب لصور التحرر ورؤى الحياة التي لا تنضب”.

من مقدمة المترجم: د. نوفل الحاج لطيف

Related posts
ديداكتيك تدريس الفلسفةفلسفة

مئوية ابن رشد.. هل من رشدية مغايرة؟

ترجمةفلسفة

ادعار موران: الإنسان الشامل وحياته

ترجمةغير مصنففلسفة

بعد هابرماس: النظرية النقدية لم تقل كلمتها الأخيرة

عامةفلسفة

عزالعرب لحكيم بناني: جماليات المكان والقيم

Sign up for our Newsletter and
stay informed