تربية وتعليمعامةفلسفة

التراث النقدي بوصفه حقلًا للصراع الرمزي: مقاربة تركيبية في مشروع جابر عصفور

مصطفى كمال

يمثل كتاب قراءة التراث النقدي لـجابر عصفور لحظة إبستمولوجية دالة في مسار إعادة تنظيم العلاقة المعرفية بالتراث داخل الثقافة العربية المعاصرة، إذ لا يتعامل مع التراث بوصفه مخزونًا نصيًا مكتملًا أو مرجعية معيارية جاهزة، بل باعتباره بنية تاريخية تشكّلت داخل شروط اجتماعية وسياسية وثقافية محددة. ومن هذا المنظور، تغدو قراءة التراث ممارسةً لإعادة بناء الوعي، بقدر ما هي تفكيك لأنساق فكرية سابقة، أي أنها تدخل ضمن ما تسميه سوسيولوجيا المعرفة بتحليل شروط إنتاج الخطاب وتداوله.
ينطلق عصفور من فرضية أن التراث النقدي العربي ليس كتلة صماء، بل شبكة من المفاهيم والممارسات التي تبلورت داخل سياقات مؤسساتية محددة، ارتبطت بالبلاط السياسي، وبالمرجعيات الدينية، وبالمؤسسة اللغوية التي منحت الخطاب النقدي مشروعيته. بهذا المعنى، يقترب مشروعه من الأفق النظري الذي بلوره كارل مانهايم في ربطه بين أنماط التفكير والبنيات الاجتماعية الحاضنة لها، حيث لا تُفهم الأفكار إلا ضمن شروط إمكانها التاريخي. فالبلاغة، ونظرية النظم، ومفاهيم البيان والبديع، ليست عند عصفور مجرد أدوات تحليل جمالي، بل هي تجليات لوعي ثقافي كانت اللغة فيه تمارس وظيفة رمزية مركزية، تتقاطع فيها السلطة الدينية بالسياسية.
وفي هذا السياق، تتخذ معالجة عصفور لمباحث البلاغة، خاصة عند عبد القاهر الجرجاني، طابعًا يتجاوز الاستعادة التاريخية إلى تفكيك النظام المفهومي الذي أتاح تشكّل نظرية النظم. فهو يعيد قراءة العلاقة بين اللفظ والمعنى باعتبارها انعكاسًا لتحول أعمق في بنية التفكير العربي الوسيط، حيث انتقل الاهتمام من جوهر المعنى إلى نظام العلاقات داخله. كما يتناول قضايا عمود الشعر، والطبع والصنعة، والسرقات الشعرية، بوصفها مؤشرات على صراع اجتماعي حول تعريف “المشروع” و“المنحرف” داخل الحقل الأدبي، أي حول من يمتلك سلطة تحديد المعايير الجمالية.
هذا الاشتغال يكشف أن التراث النقدي كان بدوره فضاءً لإنتاج الشرعية الرمزية، وأن النقد لم يكن نشاطًا بريئًا أو مستقلًا، بل جزءًا من جهاز أوسع لإعادة إنتاج القيم السائدة. وهنا يمكن قراءة مشروع عصفور في ضوء تحليلات ميشيل فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة، حيث يشكل الخطاب نظامًا يحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه. فالتراث، وفق هذه القراءة، ليس مجرد نصوص، بل هو نظام للخطاب أنتج أشكالًا محددة من الذائقة والتلقي.
من الناحية المنهجية، يعتمد عصفور مقاربة تاريخية-تحليلية ذات أفق حداثي واضح. فهو يُخضع المفاهيم لعملية تاريخنة دقيقة، رافضًا التعامل معها كحقائق عابرة للزمن، ويحلل بنيتها الداخلية في ضوء مناهج النقد الحديث، مستثمرًا أدوات التحليل البنيوي دون أن يفصلها عن سياقها الثقافي. غير أن هذا المنهج لا يخلو من رهانات معيارية، إذ ينطلق من أفق عقلاني يسعى إلى إعادة إدماج التراث داخل مشروع حداثي معاصر، بما يعني إعادة توزيع السلطة التأويلية داخل الحقل الثقافي العربي.
ومن منظور سوسيولوجي نقدي، يمكن مساءلة هذا التموقع ذاته؛ فمشروع تحرير التراث من سلطته التقليدية قد يُنتج، في الآن نفسه، سلطة معرفية جديدة تستند إلى المرجعية الحداثية ومؤسساتها الأكاديمية. إن إنتاج المعرفة حول التراث ليس فعلًا محايدًا، بل هو ممارسة اجتماعية مشروطة برأسمال ثقافي ورمزي يتيح للناقد سلطة التسمية وإعادة التصنيف. بذلك تتحول قراءة التراث إلى فعل تموضع داخل صراع أوسع حول تعريف الحداثة الثقافية العربية منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث أصبح التراث ساحة مواجهة بين رؤى سلفية وأخرى تحديثية.
إن القيمة الإبستمولوجية لكتاب قراءة التراث النقدي تتجلى في كونه يكشف الطابع الاجتماعي للتراث، ويعيد إدراجه في دينامية الصراع الرمزي بدل تثبيته كمرجعية مغلقة. فهو يبرهن أن قراءة الماضي هي في العمق إعادة صياغة للحاضر، وأن كل استعادة للتراث تنطوي على إعادة توزيع للشرعية داخل الحقل الثقافي. وبهذا المعنى، يشكل مشروع جابر عصفور مساهمة مزدوجة: فهو من جهة دراسة في تاريخ النقد العربي، ومن جهة أخرى ممارسة تطبيقية لسوسيولوجيا المعرفة في سياق عربي، حيث يصبح التراث موضوعًا للصراع والتفاوض، لا مخزونًا يقينيًا خارج التاريخ.
Kamal Mustapha

Related posts
تربية وتعليمفلسفة

عزلعرب لحكيم بناني: ما أقبح الحرب !

الفلسفة للأطفالترجمةفلسفة

الفلسفة أسلوب حياة: اويلي وهادو

ترجمةفلسفة

كاميلك امهوف: الراسمالية الجدية

ترجمةفلسفة

لشبكات الاجتماعية الرقمية في تاريخ الرأسمالية وتحولات الشركات الكبرى

Sign up for our Newsletter and
stay informed