كوة

كُوَّة Couua

هي حيرة أن تبحث عن اسم لموقع إلكتروني شخصي منفتح على إسهامات وعطاءات الأصدقاء، والأقلام الجادة والمبدعة. دامت الحيرة شهرين كاملين، واستشرتُ العديد من الأصدقاء والمقربين الذين كانت اقتراحاتهم الجادَّة فرصةً للتفكير في اسم دال يعبر، إلى حد ما، عن الأهداف العامة والغايات الكبرى وراء فكرة الموقع.

وقع اختيارنا على اسم “كُوَّة”: الذي يفيد فُتحة وخرقا في الجدار، نافذة للتهوية والإضاءة ونحوها…،

ففي مطبخ الأرياف الذي يسمى في بلدتي ب “أَنْوَالْ” إذا كان متسعاً وفسيحاً، أو “تَانْوَالْتْ” إذا كان ضيقاً.

تقع الكُوَّة في وسط سطح المطبخ ليخرج منها الدخان نحو الفضاء الفسيح، ولأن الحطب هو المادة الأساس لإيقاد نار الطهي، فإن جدران “أنوال” أو “تانوالت” تُسوَّدُ بالكامل مع مرور الوقت مما يجعلها مكاناً مُظلماً لا ينيره إلا ضوء الكُوَّة.

تأتينا من الكُوَّة مادتان طبيعيتان لا نستطيع دونهما أن نضمن استمراريَّة الحياة البيولوجيَّة والنفسيَّة معاً هما: الهواء والضوء؛ حيث يتيح لنا الهواء إمكانيَّة التنفس الطبيعيَّة، والتنفِيس النفسي والروحي عن هموم حملناها كما يحملها الوعي الشقي، في حين يتيح لنا الضوء الطبيعي (أو النور بتعبير ديكارت) إمكانيَّة اختراق الظلام الدامس وإمكانيَّة ملء الفضاء الحالك الذي ينمحي معه كل إحساس بالزمن والمكان. ففي الهواء ذرات أوكسجين تنتمي في جزء هام منها إلى الماء، كما أن الضوء قد يحمل في ذاتِه طاقةً أو ناراً. هكذا صارت العناصر الأربعة: الهواء، النار، الماء، والتراب (الذي ينبع من المكان والفضاء) أساس تأمل العالم أول الأمر.

لا نبحث عن تركيبة جديدة لهذه العناصر الطبيعيَّة، وإنما نروم توظيف ضوء الكُوَّة وهوائِها لإدراك الزمن والمكان بالدرجة الأولى، ولخلخلة عصر الظلمات الذي تعيشه منطقتنا وواقعنا الراهن بعد اجهاض آمال الشعوب في الانعتاق والتحرر.

إن سيَّادة الفكر الظلامي والأصولي يؤشر على انتكاسة حضارية كبيرة ويحبس أنفاسنا في دُروب وأكواخ ومساكن ضيِّقة ليسُدَّ علينا الباب وكل الكُوى الممكنة للوعي بالزمن وتجاوز معظلاته الوجودية والحضارية.

تمنحنا الكُوَّة إمكانيَّات عدة لفهم الفضاء المُظلم والعتمة الدامِسة التي أُرِيدَ لها أن تكون قدر شعوبنا، ومع الهواء والضوء ستسع الكُوَّة بمقدار يتزايد يوماً عن يوم، ليتسع معها الفضاء المُعتم إلى أن يحمل نور العقل والتنوير وصوت الحداثة مكان صوت الأصوليَّات، (الدينيَّة والرأسماليَّة)، النشاز، لإحساسي أن القادِم مُعتم ومُظلِم سيأتي على الأخضر واليابس.

لهذه الاعتبارات وغيرها اخترنا أن يكون اسم الكُوَّة معبراً عن عمق حُلمنا وتعطشنا لتوسيع دائرته من خلال توفير فضاء للتنوير والسجال والتبادل والتفاعل في سبيل ثقافة عقلانيَّة، ناقِدة، شقيَّة، تُحدث زحزحة في اليقينيَّات الرَّاسِخة والدوغمائيَّات والوثوقيَّات التي تُكبل التفكير وتسُدُّ الباب في وجه إعمال العقل.

نسعى من وراء كُوَّتِنا، بما هي نافذة نحو عالم أسعَد وأرحَب يؤمن بالاختلاف والتعايش معاً وبكل حقوق الإنسان الكونيَّة، إلى فتح هذا الفضاء لبروز كوَى أخرى تشاطِرنا الحلم وتعبد معنا الطريق وتقتسم معنا الآمال والمآلات.

الكوة فتحةُ عالمٍ مُغاير مُمكن وضروري، لأن فُتحة الأنثى هي خطوتنا الأولى نحو عالمنا بما هو عليه، إنها جسرٌ ضروري لمغادرة رحمٍ طبيعي ضيِّق نحو رحمٍ ثقافي أوسع، فلنجعل من هذه الكوة الرقمية فتحةً في عالم أريد له أن يكون تقليدانيّاً ومُحافظاً ومُظلماً نحو عالم آخر يؤمن بالحريات الفرديَّة والجماعيَّة ويدعو إلى التفكير وإعمال العقل النَّقدي، عالم غير مُتزمِّت يقف في وجه الفكر الأحادي والمنغلق لصالح الفكر الحر.